لم يعد الذكاء الاصطناعي يكتفي بتحليل الأكواد البرمجية أو مساعدة خبراء الأمن السيبراني في اكتشاف المشكلات، بعدما كشفت OpenAI عن قدرات جديدة لنموذجها GPT-6 Astra، الذي استطاع خلال اختبارات أمنية اكتشاف ثغرات لم تكن معروفة من قبل، وتطوير طرق لاستغلالها دون الحاجة إلى توجيه بشري في كل خطوة،.
وأعلنت OpenAI أن Astra يمثل قفزة كبيرة في القدرات السيبرانية لنماذج الذكاء الاصطناعي، لدرجة أنها صنفته ضمن مستوى “Critical”، وهو أعلى مستوى للقدرات السيبرانية في إطار الاستعدادات الأمنية الخاص بالشركة، ويعني ذلك أن النموذج، مع توفير الأدوات والصلاحيات المناسبة، يستطيع العثور على ثغرات أمنية غير معروفة وتطوير طرق لاستغلالها في أنظمة محمية بشكل جيد.
الأكثر إثارة للانتباه في اختبارات Astra أن النموذج لم يكتفِ باكتشاف مشكلات أمنية معروفة، وإنما تمكن من العثور على ثغرتين من نوع Zero-Day، وهما ثغرات لم يكن قد تم الكشف عنها أو إصلاحها قبل اكتشافها خلال الاختبارات، وقالت OpenAI إنها ستكشف تفاصيل الثغرتين للجهات المسؤولة عن الأنظمة المتأثرة، بهدف المساعدة في إصلاحهما، في خطوة تعكس الوجه الآخر لهذه القدرات؛ فالذكاء الاصطناعي نفسه الذي يمكن أن يستخدمه المهاجم لاكتشاف نقاط الضعف، يمكن توظيفه أيضًا لمساعدة المدافعين على العثور عليها قبل استغلالها.
تكمن أهمية Astra في أن قدرته لا تتوقف عند تحديد وجود مشكلة في نظام أو برنامج، وإنما يستطيع الانتقال إلى مراحل أكثر تعقيدًا من العمل الأمني، ووفقًا لتقييمات OpenAI، يستطيع النموذج، مع الأدوات والوصول المناسبين، اكتشاف نقاط ضعف جديدة وبناء سلاسل استغلال لها عبر أنظمة قوية الحماية، مع تنفيذ خطوات متعددة بصورة مستقلة نسبيًا، وهو ما دفع الشركة إلى تشديد إجراءات الحماية قبل إتاحة هذه القدرات على نطاق أوسع.
اقرأ ايضا: تسريبات تكشف مواصفات معالج A20 لهاتف iPhone 18 Pro من شركة Apple
الجانب الأكثر حساسية لا يتعلق بقدرة الذكاء الاصطناعي على اكتشاف الثغرات في حد ذاتها، فهذه القدرة يمكن أن تكون مفيدة جدًا لشركات التكنولوجيا وخبراء الأمن السيبراني، وإنما في إمكانية استخدام القدرات نفسها لأغراض هجومية، فكلما أصبح النموذج قادرًا على اكتشاف ثغرات جديدة وتحويلها إلى أساليب استغلال، أصبح من الممكن أن يحصل المهاجمون على أداة تستطيع تسريع عمليات البحث عن نقاط الضعف، بدل الاعتماد على الخبرة البشرية وحدها، ولهذا أعلنت OpenAI أنها عززت إجراءات الحماية والرقابة الخاصة بـAstra، بما في ذلك حماية النموذج من تنفيذ أنشطة سيبرانية ضارة سواء نتيجة سوء الاستخدام المتعمد أو بسبب سلوك غير متوقع من النموذج نفسه.
ورغم المخاوف، ترى OpenAI أن تطوير نماذج ذات قدرات سيبرانية متقدمة يمكن أن يكون جزءًا من معركة الدفاع الرقمي، لأن اكتشاف الثغرات قبل المهاجمين قد يمنح الشركات والمؤسسات فرصة لإصلاحها مبكرًا، وتعمل الشركة بالفعل على نماذج وأدوات مخصصة لمساعدة المدافعين في مهام مثل اكتشاف الثغرات، وتحليل البرمجيات الخبيثة، ومراجعة الأكواد، والتحقق من إصلاح المشكلات الأمنية، مع فرض مستويات مختلفة من الوصول بحسب طبيعة الاستخدام.
الإجابة ليست بهذه البساطة، لكن المؤكد أن مفهوم الاختراق الإلكتروني يتغير بسرعة. فالمشكلة لم تعد في قدرة الذكاء الاصطناعي على كتابة كود أو تقديم اقتراحات للمبرمج، وإنما في انتقاله تدريجيًا إلى تنفيذ عمليات معقدة تتطلب في السابق وقتًا وخبرة بشرية كبيرة، وتزداد أهمية هذه المخاوف في ظل حوادث سابقة شهدت خلالها اختبارات داخلية لنماذج OpenAI سلوكيات غير متوقعة، من بينها تجاوز بعض الضوابط والوصول إلى أنظمة خارجية خلال اختبارات أمنية، وهو ما دفع الشركة إلى تعزيز إجراءات المراقبة والحماية للنماذج الأكثر تقدمًا.
وبذلك يفتح Astra فصلًا جديدًا في سباق الأمن السيبراني: ذكاء اصطناعي يستطيع البحث عن الثغرة، وآخر يمكن استخدامه لمحاولة استغلالها، ومدافعون يحاولون استخدام التكنولوجيا نفسها لإغلاقها قبل أن يصل إليها المهاجمون، ويبقى التحدي الحقيقي أمام شركات التكنولوجيا والحكومات هو وضع ضوابط تضمن الاستفادة من هذه القدرات في حماية الأنظمة، دون أن تتحول الأدوات الأكثر تطورًا إلى وسيلة تجعل الهجمات الإلكترونية أسرع وأوسع نطاقًا.




