لم تعد المعضلة التي تواجهها واشنطن تتعلق بقدرتها على إلحاق مزيد من الدمار بإيران، بل بما إذا كان هذا الدمار قادراً على تغيير سلوك النظام. فبعد خمسة أشهر من الحرب، لا تزال طهران متمسكة بأوراقها، وفي مقدمها مضيق هرمز، فيما وسّع الحوثيون بطلب منها نطاق المواجهة إلى البحر الأحمر. وفي المقابل، يدفع الرئيس دونالد ترمب بمزيد من القوات إلى المنطقة، ويقول إنه بات قريباً من اتخاذ قرار بشأن «هجوم ضخم». وبين صعوبة الحسم الجوي وخطورة إرسال قوات إلى الأراضي الإيرانية، يبدو أن النزاع يقترب من مرحلة أشد اتساعاً، من دون أن تكون أكثر حسماً بالضرورة.
ألحقت الحملة الأميركية–الإسرائيلية خسائر تكتيكية كبيرة بإيران، ودمرت قواعد صاروخية ومراكز قيادة ومنشآت إنتاج وبنى بحرية. لكن صور الأقمار الاصطناعية التي استعرضتها «وول ستريت جورنال» أظهرت أن طهران أعادت خلال أسابيع فتح مداخل أنفاق وإصلاح طرق وجسور، بعدما نجحت الغارات في ردم مداخل بعض القواعد الجبلية من دون تدمير الأسلحة المخزنة داخلها.
وتكشف سرعة الإصلاح أن التفوق الجوي لا يساوي تلقائياً انتصاراً استراتيجياً. فإيران فرّقت منصاتها ومخزوناتها، وحافظت على المعرفة الصناعية اللازمة لإعادة الإنتاج. وقد أقر رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كين، خلال جلسة في مجلس الشيوخ، بأن «للقوة الجوية حدوداً»، فيما وصف السيناتور الديمقراطي براين شاتز الوضع بأنه أقرب إلى طريق مسدود.
وهو ما يؤكده أيضاً الباحث فرزين نديمي المتخصص في شؤون الأمن والدفاع في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، مشيراً إلى أن الحملة «أوقعت خسائر فادحة، لكنها قاربت حدودها القصوى» أمام قدرات إيران غير المتكافئة وسرعتها في إعادة تشكيل قواتها. لكن إحداث تحول كبير في ميزان القوى قد يكون مستحيلاً من دون مشاركة إسرائيلية مباشرة وواسعة.
غير أن رهان طهران على حرب الاستنزاف لا يخلو من أخطار داهمة على الجبهة الداخلية؛ فالمواجهة الممتدة تأتي على خلفية أزمات اقتصادية معقدة وتضخم متصاعد أرهق الشارع الإيراني. كما تُعقّد هذه الضغوطُ المشهدَ السياسي الداخلي، حيث بدأت تبرز خلافات لـ «حرب أجنحة» مكتومة بين التيار المحافظ المتشدد، وتيارات أكثر براغماتية تُحذّر من كلفة العزلة وتآكل قدرات الدولة.
ورغم مهارة النظام في إدارة الحرب غير المتكافئة، فإن تراجع العائدات وتراكم الأضرار في المنشآت الحيوية يُضعفان القدرة على إدارة الخدمات الأساسية. ليصبح عامل الوقت سيفاً ذا حدين؛ ففي حين تراهن إيران على استنزاف صبر واشنطن، تخوض في المقابل سباقاً مع الزمن لمنع انزلاق الجبهة الداخلية وتعمق التباينات السياسية.
تراهن طهران على أن قدرتها على تهديد الملاحة وتعطيل صادرات الطاقة تمنحها وزناً لا تستطيع الغارات انتزاعه بسهولة. وقد حافظت، وفق نديمي، على ورقة مضيق هرمز، فيما أدخل الحوثيون البحر الأحمر وباب المندب في المواجهة، ما رفع أسعار النفط إلى أكثر من مائة دولار للبرميل وضاعف المخاوف على أهم ممرات الطاقة.
قد يهمك أيضًا: تجدد القصف على جنوب إيران قرب مضيق هرمز
هذا التصعيد دفع بعض المراقبين إلى القول إن النظام الإيراني اختار مساراً يشبه «الانتحار السياسي» باستفزازه لدول الخليج والأوروبيين. غير أن إدخال الحوثيين يمكن قراءته أيضاً بوصفه محاولة لرفع كلفة الضغط الأميركي وإثبات أن الحرب لن تبقى محصورة داخل الأراضي الإيرانية.
ومع انهيار التهدئة ومذكرات التفاهم الموقعة سابقاً بشأن هرمز، بات الرئيس الأميركي مقتنعاً بأن إيران لا تفهم إلا لغة القوة، بينما أكدت الإدارة الأميركية أن طهران ستواصل دفع الثمن إلى أن تعود إلى مفاوضات يراها ترمب جدية.
وفيما نقل عن مسؤول كبير في الإدارة أن ترمب أصبح متشككاً في الدبلوماسية ودخل في حالة «سعي إلى الانتقام» بعد مقتل عسكريين أميركيين، قال ترمب لموقع «أكسيوس» إنه يفكر في هجوم «أكبر من أي وقت مضى»، مؤكداً استعداد القوات الأميركية.
ويعكس الحشد العسكري جدية الخيارات المطروحة، لكن الكلفة تتزايد بدورها؛ إذ بلغت نفقات الحرب نحو 37.5 مليار دولار، وقُتل 18 عسكرياً أميركياً، بينما تراجعت نسبة مؤيدي الحرب داخل قاعدة ترمب من النصف إلى الثلث، وفق استطلاع «بوليتيكو»، وسط خشية جمهورية من أثر أسعار الوقود على انتخابات التجديد النصفي.
يتمثل الخيار الأول أمام واشنطن في توسيع بنك الأهداف ليشمل الجسور ومحطات الطاقة، لكنه يحمل أخطار سقوط أعداد أكبر من المدنيين دون إجبار النظام على التراجع.
أما المعضلة الأصعب فهي «جبل الفأس». ويقول مايكل روبين، مدير تحليل السياسات في منتدى الشرق الأوسط لـ «الشرق الأوسط»، إن الحرب الجوية «بلغت حدودها» لأن الأسلحة التقليدية لا تستطيع معالجة المواقع العميقة، مضيفاً أن السؤال الحقيقي أصبح مدى إمكانية تنفيذ عمليات برية أو إنزال موجه.
ويرى نديمي أن حملة برية شاملة لا تزال أقل احتمالاً، لكن عمليات محدودة للسيطرة على نقاط حيوية أو منشآت محددة تبقى قائمة، رغم أن مثل هذه الخطوات قد تفتح باباً تصعيدياً يصعب إغلاقه.
لذلك، يبدو السيناريو الأقرب مزيجاً من قصف أوسع وضغط بحري وعمليات نوعية مع احتمال انضمام إسرائيل إذا قرر ترمب طلب ذلك. لكن النتيجة المرجحة على المدى القريب ليست استسلام إيران ولا اجتياحاً أميركياً، بل حرب استنزاف وهدنة غير مستقرة، تتخللهما موجات تصعيد متعاقبة قد تضاعف الأخطار من دون تقديم نهاية واضحة للحرب.




