لم تمر سوى ساعات على إعلان توصل الوسطاء لصياغات نهائية بشأن خريطة الطريق المتعلقة بتطبيق المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في قطاع غزة، حتى جاء الرد الإسرائيلي عليه بتصعيد ميداني جديد، من خلال تنفيذ سلسلة من الغارات الجوية في أنحاء متفرقة من القطاع.
ولم تعلن إسرائيل موقفاً رسمياً واضحاً إزاء الاتفاق الذي توصل إليه الوسطاء مع حركة «حماس»، واحتفى به الرئيس الأميركي دونالد ترمب، ووصفه بـ «التاريخي» خصوصاً أنه ينص على ما وصفه بنزع سلاح الحركة، بينما الأخيرة تصفها بعملية لحصره.
فلسطينيون يشيعون قتيلين سقطا بغارة إسرائيلية على حي ااشيخ رضوان في مدينة غزة السبت (د.ب.أ)
ويسعى الوسطاء بدعم أميركي، للحصول على موافقة إسرائيلية إزاء ما تم التوصل إليه في مفاوضات القاهرة، إلا أن حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ما زالت على ما يبدو تتمسك ببعض الشروط مثل رفض الانسحاب الكامل، ونقل الأسلحة إلى الخارج وعدم بقائها في غزة، وغيرها من الشروط التي يراها مراقبون أنها تعجيزية، وتهدف لإفشال أي اتفاق.
لجأت إسرائيل للتصعيد ميدانياً مجدداً، حيث استهدفت طائرة مسيرة، ظهر السبت، مواطنين في مدينة دير البلح، وسط قطاع غزة، في أثناء وجودهما في فناء منزل؛ ما أدى لمقتل أحدهما وإصابة الآخر بجروح حرجة، سبق ذلك بوقت قصير استهداف شابين في حي الشيخ رضوان شمال مدينة غزة؛ ما أدى لمقتلهما على الفور، بينما أصيب بالتزامن فلسطينيان أحدهما بحالة حرجة بقصف أمام خيمة بمواصي خان يونس جنوب القطاع.
وأعلن بعد منتصف الليل عن وفاة شحص متأثراً بجروحه الحرجة بعد إصابته، مساء الجمعة، في غارة استهدفته بدير البلح وسط القطاع.
فلسطينيون يعاينون مكاناً استهدفته ضربة جوية إسرائيلية قرب مستشفى الأقصى بدير البلح وسط قطاع غزة السبت (أ.ب)
وأصيب، الجمعة، 6 فلسطينيين في 3 غارات منفصلة بخان يونس ودير البلح ومدينة غزة، أدت جميعها لإصابتهم بجروح ما بين خطيرة وحرجة.
وتقول إسرائيل باستمرار إن هذه الغارات تستهدف عناصر من «حماس» و «الجهاد الإسلامي»، وفصائل أخرى، تخطط لهجمات، أو شاركت في هجمات سابقة خصوصاً السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، وعلاقتهم باختطاف إسرائيليين.
وتقول مصادر ميدانية لـ «الشرق الأوسط» إن القوات الإسرائيلية تسعى لاستهداف أي ناشط ميداني تتوفر بشأنه معلومات استخباراتية، الأمر الذي يرفع أعداد الضحايا يومياً.
ووفقاً لوزارة الصحة بغزة، فقد وصل للمستشفيات بالقطاع خلال الـ 48 ساعة الماضية 8 قتلى، و76 مصاباً، مبينةً أنه بلغ إجمالي الضحايا منذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر 2025، أكثر من 1222، والإصابات 4053، بينما بلغ العدد الإجمالي منذ بداية الحرب أكثر من 73349، والإصابات 174162.
قصف منازل
تزامنت الغارات التي استهدفت نشطاء فلسطينيين مع أخرى بدأت في ساعات متأخرة من مساء الجمعة، وحتى ساعات ما بعد منتصف الليل وفجر السبت. وقصف طائرات حربية بناية سكنية مكونة من 6 طبقات في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة؛ ما أدى لتسويتها بالأرض، وإحداث دمار كبير في المنطقة، تبع ذلك استهداف منزل في دير البلح وسط القطاع، وتسبب في أضرار مماثلة، قبل أن يتم قصف بناية من عدة طبقات في منطقة الصفطاوي شمال القطاع؛ ما أدى لتدميرها وإحداث أضرار جسيمة في حديقة عامة بالمنطقة، وفي خيام للنازحين قريبة من المكان؛ ما تَسَبَّبَ في تلفها وتشريد سكانها.
فلسطينيون يعاينون مكاناً استهدفته ضربة جوية إسرائيلية قرب مستشفى الأقصى بدير البلح وسط قطاع غزة السبت (رويترز)
نوصي بقراءة: الدفاعات الجوية الكويتية تتصدى لهجمات طائرات مسيرة
وقبل قصف هذه الأهداف طلب الجيش الإسرائيلي إخلاء تلك المنازل، ومحيطها من منازل ومخيمات للنزوح، بينما لم يمنح السكان سوى دقائق معدودة قبل تدميرها بشكل كامل؛ ما حرم السكان من إخراج مقتنياتهم ومستلزماتهم، وتَسَبَّبَ في تشريدهم، ونزوح مئات العوائل التي بقيت في العراء لساعات قبل أن تعود إلى مناطق القصف، وتجد منازلها وخيامها إما مدمرة وإما متضررة بشكل متفاو،ت وبعضها لا يصلح للسكن.
ويزعم الجيش الإسرائيلي في الأيام الأخيرة أن المنازل التس استهدفتها هذه الغارات هي مخازن ومستودعات أسلحة، وهو أمر لم تؤكده أي مصادر فلسطينية.
قصف مستودع أدوية
وفي خضم تلك الغارات، طلب الجيش الإسرائيلي إخلاء محيط مستشفى شهداء الأقصى بدير البلح، رغم وجود مئات خيام النازحين في تلك المنطقة، ومنح السكان مهلة قصيرة، قبل أن تقدم طائرات حربية على تدمير بركس، وتقصف خيام للنازحين في أرض مجاورة له من الجهة الجنوبية للمشفى.
وتبين أن القصف استهدف بشكل مباشر «بركساً» عبارة عن مستودع للأدوية تابع للمستشفى نفسه، بينما تضررت خيام، وتلفت وبقيت أكثر من 70 عائلة بلا مأوى.
واستنكرت وزارة الصحة بغزة ما وصفتها بـ «الجريمة النكراء»، بعد استهداف إسرائيل بشكل مباشر وممنهج لمخازن الأدوية في مستشفى شهداء الأقصى، لافتةً إلى أن القوة التدميرية للصواريخ المستخدمة أدت إلى محو مخزنين من أصل أربعة من المكان المستهدف إلى جانب إلحاق أضرار بالغة وأضرار جسيمة بالآخرين.
فلسطينيون يعاينون مباني استهدفتها ضربة جوية إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين وسط قطاع غزة السبت (أ.ب)
وقالت الوزارة: «إن الاحتلال الإسرائيلي لم يكتفِ بسياسة الحصار الخانق، ومنع إدخال الأدوية والمستهلكات الطبية، وحرمان آلاف المرضى والجرحى من السفر للعلاج في الخارج، بل يواصل بشكل علني جريمته المركبة باستهداف ما تبقى من مقومات المنظومة الصحية، وتدمير الإمكانات المحدودة أصلاً داخل هذه المخازن»، مطالبةً المجتمع الدولي، والمؤسسات الأممية، والحقوقية، والإنسانية بضرورة التدخل الفوري والعاجل للجم هذه الاعتداءات، وتوفير الحماية العاجلة للمؤسسات والكوادر الطبية.
كما أدانت إدارة مستشفى «شهداء الأقصى» بدير البلح، القصف الإسرائيلي، وحمّلت إسرائيل المسؤولية القانونية والأخلاقية الكاملة عن استهداف المرافق الصحية وما يترتب على ذلك من تهديد مباشر لحياة المرضى والجرحى، داعيةً منظمة الصحة العالمية، واللجنة الدولية لـ«الصليب الأحمر»، وجميع المؤسسات الأممية والحقوقية والإنسانية، إلى التدخل الفوري والعاجل، وإيفاد بعثات ميدانية لتوثيق هذه الجريمة، ومعاينة الأضرار الجسيمة التي لحقت بالمخازن والمنشآت الطبية، والعمل على توفير الحماية العاجلة للمؤسسات والطواقم الطبية.
وطالبت المجتمع الدولي والمؤسسات الإغاثية بسرعة توفير بديل عاجل لما تم تدميره من أدوية ومستلزمات طبية، وضمان إدخال الإمدادات الطبية بصورة فورية، لتفادي كارثة صحية تهدد حياة آلاف المرضى والجرحى الذين يعتمدون على خدمات المستشفى.
تنديد بالقصف
نددت «حماس» بالقصف الإسرائيلي على الأحياء السكنية والمنازل وخيام النازحين، ومستودع الأدوية، والغارات التي استهدفت مواطنين؛ ما أدى لمقتل بعضهم، والتسبب في تشريد عائلات، معتبرةً ذلك انتهاكاً واضحاً لاتفاق وقف إطلاق النار الموقع في شرم الشيخ.
وطالبت «حماس» الوسطاء والضامنين لاتفاق وقف إطلاق النار في غزة، لإدانة الجرائم الإسرائيلية، والتحرك الفوري والضغط لإلزام تل أبيب بوقف انتهاكاتها لبنود الاتفاق.
بينما عدت حركة «الجهاد الإسلامي»، استمرار التصعيد بغزة بعد الإعلان عن صيغة الانتقال للمرحلة الثانية، وعلى مرأى ومسمع من جميع الأطراف بما فيها الوسطاء و«مجلس السلام»، بأنه أمر يعزز القناعة بعجز الاتفاق والصيغ المطروحة عن لجم الاحتلال ووقف الحرب التي يتعرض لها القطاع.
وقالت الحركة في بيان لها إن «هذا التصعيد المسعور يضع جميع الأطراف أمام مسؤولياتها، ويختبر مدى الجدية في إلزام الاحتلال ببنود المرحلة الأولى، لا سيما أن الجميع متفق على أنه لا انتقال لأي خطوات قبل تنفيذ المرحلة الأولى كاملة بما فيها وقف الاعتداءات والقتل والتدمير والاغتيالات».




