الرئيسيةالصحة واللياقة البدنية«أونكوفورمر»: نموذج ذكاء اصطناعي يتنبأ بالسرطان من تاريخك الصحي

«أونكوفورمر»: نموذج ذكاء اصطناعي يتنبأ بالسرطان من تاريخك الصحي

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

قد لا يكون السرطان أول من يعرف بوجوده، بل تاريخك الصحي. فكل تحليل دم، وكل صورة أشعة، وكل زيارة للطبيب، وحتى الأدوية التي تناولتها على مدى سنوات، قد تحمل إشارات مبكرة تبدو منفصلة، لكنها ترسم معاً قصة لا تستطيع العين المجردة قراءتها.

هذا ما حاول باحثون تحقيقه في دراسة نُشرت إلكترونياً في 27 يوليو (تموز) 2026 في مجلة «Cell»، على أن تصدر في نسختها الورقية في 17 سبتمبر (أيلول)، إذ طوروا نموذجاً للذكاء الاصطناعي يحمل اسم «أونكوفورمر» (Oncoformer)، يتعلم من السجل الصحي المتراكم للمريض ليكشف أنماطاً قد تسبق ظهور السرطان، ويساعد في تقدير مرحلة المرض، والتنبؤ بالاستجابة للعلاج، ورصد احتمالات عودة الورم.

واعتمد النموذج على بيانات صحية طولية لأكثر من 3.67 مليون شخص، في واحدة من أكبر الدراسات التي تستثمر السجلات الطبية الروتينية لإعادة تعريف دورها؛ من أرشيف يوثق الماضي إلى أداة قد تساعد في استشراف المستقبل.

من التشخيص إلى التنبؤ

لكي يتعلم الذكاء الاصطناعي قراءة الإشارات المبكرة للسرطان، احتاج إلى ما يشبه مكتبة ضخمة من التجارب البشرية. لذلك اعتمد الباحثون على مشروع صيني واسع يحمل اسم COMPASS، يضم السجلات الصحية الإلكترونية لأكثر من 3.67 مليون شخص، تشمل نحو 17.7 مليون زيارة سريرية، إلى جانب صور الأشعة السينية للصدر ونتائج الفحوص الروتينية. ولم يكتف الباحثون بذلك، بل اختبروا النموذج أيضاً على مجموعات بيانات مستقلة، من بينها بيانات البنك الحيوي البريطاني، للتحقق من قدرته على العمل خارج البيئة التي دُرّب فيها.

لكن أهمية الدراسة لا تكمن في حجم البيانات وحده، بل في الطريقة التي تعامل بها الذكاء الاصطناعي معها. فبدلاً من قراءة كل تحليل أو صورة أشعة بمعزل عن غيرها، تعامل مع التاريخ الصحي للمريض بوصفه قصة متصلة تتكشف أحداثها عبر الزمن. وباستخدام تقنية «المحوّلات» (Transformers)، التي تقوم عليها النماذج اللغوية الحديثة، استطاع تتبع تسلسل الأحداث الطبية وربطها ببعضها، بحثاً عن أنماط قد تعجز العين البشرية عن ملاحظتها

لا تكمن أهمية «أونكوفورمر» في قدرته على اكتشاف السرطان فحسب، بل في أنه يحاول استشرافه قبل أن يصبح واضحاً سريرياً. فقد أظهر النموذج دقة مرتفعة في التمييز بين المصابين بالسرطان وغير المصابين عبر أنواع متعددة من الأورام، محققاً مؤشراً بلغ 0.956 على مقياس AUROC، وهو مقياس يُستخدم لتقييم قدرة النماذج على التمييز بين الحالات الصحيحة والخاطئة. كما تمكن من التنبؤ باحتمال ظهور السرطان قبل التشخيص السريري بما يصل إلى عام، محققاً مؤشراً بلغ 0.869.

ولا تعني هذه النتائج أن النموذج أصبح جاهزاً ليحل محل برامج الفحص المعتمدة، لكنها تشير إلى أن البيانات المتوفرة أصلاً في المستشفيات قد تحمل مؤشرات مبكرة للمرض لم تكن تُستثمر بالشكل الكافي. وإذا أثبتت هذه النتائج فاعليتها في دراسات مستقبلية، فقد يصبح بالإمكان تحديد الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة وتوجيههم إلى الفحوص المناسبة في وقت أبكر، وهو ما قد يحسن فرص العلاج ويقلل الحاجة إلى التدخل في المراحل المتقدمة.

لم يقتصر أداء «أونكوفورمر» على اكتشاف السرطان أو التنبؤ بخطر الإصابة به، بل امتد إلى تقييم مرحلة الورم بدقة، محققاً متوسط أداء تجاوز 0.90 عند مقارنة تقديراته بنتائج الفحص المرضي بعد الجراحة. ويعني ذلك أن النموذج لا يكتفي بالإشارة إلى وجود المرض، بل يساعد أيضاً في رسم صورة أوضح عن مدى تقدمه.

اقرأ ايضا: قبل أن تبدأ الجراحة… هل يتنبأ الذكاء الاصطناعي بالمضاعفات قبل وقوعها؟

ولم تتوقف النتائج عند هذا الحد، إذ وجد الباحثون أن بعض الأنماط التي تعلمها النموذج ارتبطت بمسارات جينية معروفة في السرطان، وهو ما يمنح تفسيراً بيولوجياً لقراراته، ويخفف من الانتقاد الشائع لأنظمة الذكاء الاصطناعي بوصفها «صندوقاً أسود» يصعب فهم آلية عمله.

وفي مرضى سرطان الرئة ذي الخلايا غير الصغيرة، أظهر النموذج قدرة واعدة على توقع استجابة الورم للعلاج بمثبطات مستقبل عامل نمو البشرة (EGFR)، وهي خطوة تقترب من مفهوم اختبار العلاج افتراضياً قبل تطبيقه على المريض، بما قد يساعد مستقبلاً في اختيار العلاج الأكثر ملاءمة لكل حالة.

التوأم الرقمي

تقود هذه الدراسة إلى أحد أكثر المفاهيم طموحاً في الطب الحديث، وهو «التوأم الرقمي»؛ أي إنشاء نموذج افتراضي يتطور باستمرار مع المريض، ويُحدَّث تلقائياً كلما أُضيفت نتيجة تحليل، أو صورة أشعة، أو تشخيص، أو علاج جديد. ولا يقتصر دوره على حفظ المعلومات، بل يحاول فهم مسار المرض والتنبؤ بكيفية تطوره واستجابته للعلاج.

ومع ذلك، لا يمثل «أونكوفورمر» توأماً رقمياً متكاملاً بالمعنى الكامل للكلمة، إذ لا يدمج بعدُ جميع العوامل الوراثية والبيئية والجزيئية التي تؤثر في صحة الإنسان. لكنه يُعد خطوة مهمة في هذا الاتجاه، لأنه يبرهن على أن السجلات الصحية الروتينية، إذا حُللت بالذكاء الاصطناعي، يمكن أن تتحول من أرشيف للماضي إلى نموذج ديناميكي يساعد الأطباء على استشراف المستقبل.

فرصة سعودية لقيادة الجيل الجديد من طب الأورام

إذا أثبتت هذه النتائج فاعليتها في الدراسات السريرية المستقبلية، فقد تفتح الباب أمام جيل جديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة على توجيه برامج الفحص نحو الأشخاص الأكثر عرضة للإصابة، ودعم الأطباء في اختيار العلاج الأنسب، ورصد احتمالات عودة الورم بعد العلاج. غير أن تحقيق هذه الرؤية يتطلب سجلات صحية عالية الجودة، وأطراً صارمة لحماية خصوصية المرضى، إضافة إلى التحقق من قدرة هذه النماذج على الحفاظ على دقتها عند تطبيقها في مجتمعات تختلف في خصائصها الوراثية والبيئية وأنماط الأمراض.

وبالنسبة إلى المملكة العربية السعودية، حيث يشهد القطاع الصحي تحولاً رقمياً متسارعاً، تبرز هذه الدراسة بوصفها نموذجاً يمكن البناء عليه لتطوير أنظمة ذكاء اصطناعي تعتمد على البيانات الصحية الوطنية. وقد يشكل ذلك فرصة للمراكز المرجعية، وفي مقدمتها مركز الملك عبد الله للأورام في مستشفى الملك فيصل التخصصي ومركز الأبحاث، لتطوير نماذج مدربة على بيانات المرضى في المملكة، بما يعكس الخصائص السكانية المحلية، ويمهد مستقبلاً لتعميمها عبر المدن الصحية وشبكات الرعاية المتخصصة.

لقد كان الملف الطبي طوال عقود سجلاً يوثق ما حدث للمريض. أما اليوم، فتشير هذه الدراسة إلى أنه قد يصبح أداة تستشرف ما قد يحدث له. وإذا تحقق ذلك، فلن يكون الإنجاز الأكبر أن الذكاء الاصطناعي أصبح أكثر دقة في اكتشاف السرطان، بل إنه قد يمنح الأطباء فرصة للتدخل قبل أن تتحول الإشارات الصامتة إلى مرض ظاهر.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

الأكثر شهرة

- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

احدث التعليقات