لم تعد خسارة الوظيفة الأكاديمية في الولايات المتحدة مرتبطة بالضرورة بما يقوله الأستاذ داخل قاعة المحاضرات أو بمستوى أدائه البحثي، إذ قد تتحول مواقفه السياسية خارج الجامعة إلى مصدر تهديد لمستقبله المهني، في مشهد يعيد إلى الأذهان حقبة المكارثية، عندما أصبحت الانتماءات والأفكار السياسية موضوعًا للتحقيق والمساءلة داخل المؤسسات الأمريكية.
وأعاد تقرير حديث لرابطة دراسات الشرق الأوسط طرح هذه المعضلة، بعدما وثق 196 واقعة صنفها باعتبارها إجراءات انتقامية ضد أكاديميين وموظفين في جامعات أمريكية وكندية بسبب مواقف مؤيدة للحقوق الفلسطينية منذ أكتوبر 2023، بينها 76 واقعة انتهت بفقدان العمل، ليطرح سؤالًا يتجاوز الحرب في غزة: هل تعود الجامعات الأمريكية إلى زمن محاسبة الأساتذة على أفكارهم؟.
خلال خمسينيات القرن الماضي، شهدت الولايات المتحدة حملات للتحقيق في الانتماءات الشيوعية والصلات المشتبه بها بالحزب الشيوعي، امتدت إلى مؤسسات حكومية وجامعات وقطاعات ثقافية، وأدت إلى فقدان كثيرين وظائفهم أو تعرضهم لضغوط مهنية.
ولم تكن الجامعات بعيدة عن هذه الأجواء، إذ واجه أكاديميون اختبارات للولاء السياسي، بينما تحول رفض التعاون مع بعض التحقيقات إلى مصدر خطر على استمرارهم في العمل.
وبعد سنوات من ذروة تلك الحقبة، عادت القضية إلى الواجهة عام 1969، عندما تعرضت الأكاديمية والناشطة أنجيلا ديفيس لمحاولة فصل من جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس بسبب عضويتها في الحزب الشيوعي، قبل أن تتواصل المواجهة حول تصريحاتها السياسية، وتنتهي بعدم تجديد تعيينها.
ولم تكن قضية ديفيس مجرد خلاف إداري، بل أصبحت مثالًا للصراع بين حق المؤسسة في تحديد شروط العمل وحق الأكاديمي في الاحتفاظ بمواقفه السياسية خارج نطاق التدريس.
لكن الربط بين المواقف المؤيدة لفلسطين والمستقبل المهني للأكاديميين الأمريكيين لم يبدأ مع الحرب التي اندلعت في أكتوبر 2023.
ففي عام 2014، أثارت قضية الأكاديمي ستيفن سلايطة جدلًا واسعًا بعدما تراجعت جامعة إلينوي عن استكمال تعيينه، إثر منشورات انتقد فيها العمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة.
تصفح أيضًا: البحرين: أمن الحرمين ليس شأناً سعودياً فقط بل هو شأن المسلمين كافة
وكان سلايطة قد استقال من وظيفته السابقة استعدادًا للانتقال إلى الجامعة الجديدة، قبل أن يجد نفسه خارجها، فيما كشفت القضية عن ضغوط مارسها مانحون معترضون على تصريحاته.
وتحولت الواقعة إلى اختبار لمفهوم الحرية الأكاديمية، خصوصًا بعدما انتقدت الجمعية الأمريكية لأساتذة الجامعات قرار الجامعة، معتبرة أنه يتعارض مع مبادئ حماية التعبير الأكاديمي.
تكشف بيانات التقرير الجديد أن 11% فقط من الوقائع الموثقة ارتبطت بالتدريس نفسه، مقابل 54% بأنشطة داخل الحرم الجامعي خارج قاعات الدراسة، و16% بأنشطة خارجه، و12% بمنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي.
وتبرز هنا مفارقة أساسية؛ فبينما يفترض أن تحمي الحرية الأكاديمية استقلال الأستاذ في التدريس والبحث، أصبح الجدل يمتد إلى حدود حقه في التعبير بوصفه مواطنًا، سواء من خلال المشاركة في مظاهرة أو توقيع بيان أو نشر موقف سياسي.
ولا يعني ذلك أن كل تحقيق جامعي يمثل انتهاكًا للحرية الأكاديمية، إذ تتحمل الجامعات مسؤولية حماية طلابها والعاملين بها من التمييز والتهديدات، لكن الخلاف يتمحور حول التمييز بين السلوك الذي يستوجب المساءلة والتعبير السياسي الذي ينبغي حمايته.
تختلف الظروف السياسية والقانونية الحالية عن خمسينيات القرن الماضي، فلا توجد حملة واحدة مطابقة لتحقيقات الحقبة المكارثية، كما تختلف طبيعة الجامعات والاتهامات والإجراءات المتخذة من حالة إلى أخرى.
ومع ذلك، تكشف المقارنة التاريخية عن قاسم مشترك يتعلق بتأثير الضغوط السياسية والمؤسسية على قدرة الأكاديميين على التعبير دون الخوف على مستقبلهم الوظيفي.
وقد لا يكون فقدان الوظيفة وحده هو الأثر الأكثر اتساعًا، إذ يمكن للتحقيقات المطولة والتهديد بالإجراءات التأديبية أن يدفعا آخرين إلى تجنب الحديث في القضايا المثيرة للجدل، فيما يعرف بـ«الأثر المثبط لحرية التعبير».
وهكذا، فإن القضية التي أعاد تقرير رابطة دراسات الشرق الأوسط إثارتها لا تتعلق فقط بمصير 76 أكاديميًا وموظفًا فقدوا أعمالهم وفق توثيقه، وإنما بسؤال ظل حاضرًا في التاريخ الأمريكي لعقود: هل تستطيع الجامعة حماية حرية الأفكار عندما تصبح ممارستها مصدرًا للضغط السياسي والمهني؟.




