عاد محسن رضائي إلى قلب القرار الأمني الإيراني عبر قرارين متعاقبين؛ كلّفه المرشد الإيراني مجتبى خامنئي تمثيله في المجلس الأعلى للأمن القومي، ثم عيّنه الرئيس مسعود بزشكيان، الأحد، أميناً للمجلس بموجب مرسوم رئاسي، خلفاً لمحمد باقر ذو القدر.
ويوسّع التعيين نفوذ القائد الأسبق لـ«الحرس الثوري» في إدارة أكثر الملفات الأمنية والعسكرية والسياسية حساسية، خلال مرحلة أعقبت مقتل عشرات القادة العسكريين والسياسيين بضربات إسرائيلية وأميركية، في حرب الـ12 يوماً خلال يونيو (حزيران) 2025، ثم حرب الـ40 يوماً التي اندلعت في 28 فبراير (شباط) 2026.
رضائي اسم قديم في المؤسسة التي يعود اليوم إلى أمانتها. فقد تشكل نفوذه الأول في الحرب العراقية – الإيرانية، حين كان على رأس جهاز عسكري حديث التأسيس، ثم أمضى العقود التالية في مواقع أتاحت له البقاء قريباً من المرشد والمؤسسات العسكرية، حتى بعدما أخفق في الحصول على تفويض انتخابي.
وتعيده المهمة إلى صلب القرارات التي صنعت اسمه قبل أكثر من أربعة عقود، من تقدير قدرة إيران على مواصلة القتال وموازنة الموارد بالأهداف إلى تحديد ما يمكن نقله من الميدان إلى طاولة التفاوض. لكنه يعود هذه المرة بوصفه اللاعب الأبرز في توجيه عمل المجلس وتكريس سياسات المرشد داخله.
وسبق التغيير تضارب في الروايات بشأن مصير ذو القدر، تراوح بين تقديمه استقالته ورفض بزشكيان قبولها واحتمال نقله إلى موقع آخر. وفاقمت تصريحات الرئيس عن وجود خلافات الغموض المحيط بموقعه، قبل أن يحسم قرارا المرشد والرئيس مصيره؛ إذ انتقل إلى منصب المستشار السياسي للمرشد، وفق بيان مكتب خامنئي، وتولى رضائي مسؤولياته.
قاليباف ومحسن رضائي القيادي في «الحرس الثوري» ومستشار المرشد الإيراني (موقع رئيس البرلمان – أرشيفية)
وفي 16 مارس (آذار) 2026، عيّن خامنئي رضائي، البالغ 71 عاماً، مستشاراً عسكرياً له. وكان ذلك أول قرار يحمل توقيع المرشد الجديد بعد أن خلف والده علي خامنئي، الذي قُتل في أولى الضربات صباح 28 فبراير.
وازداد حضور رضائي بعد إبرام تفاهم وقف إطلاق النار، الذي تصدّر ترتيباته رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف ومحمد باقر ذو القدر. ومنذ ذلك الحين، قدّم مواقف متشددة حيال تمديد وقف النار، وشروط التفاوض مع الولايات المتحدة، واستخدام مضيق هرمز ورقةً في المواجهة.
ولم تكشف السلطات عن طبيعة الخلافات التي سبقت مغادرة ذو القدر، الذي حظي بتأييد مجتبى خامنئي عند تعيينه. غير أن خروجه السريع من أمانة أعلى هيئة أمنية في البلاد جاء وسط صراع على إعادة توزيع النفوذ بين أجنحة «الحرس الثوري»، غذّاه الفراغ الذي خلّفه غياب عشرات القادة خلال الحرب، واتساع نفوذ جناح قاليباف، حليف ذو القدر.
وتأتي عودة رضائي إلى مركز حساس، بعد مسيرة امتدت أكثر من أربعة عقود، تنقّل خلالها بين قيادة «الحرس الثوري» ومجلس تشخيص مصلحة النظام والحكومة، وخاض سباقات رئاسية عدة. لم يفز في أي منها، ولم ترتبط تجربته الحكومية بتحول اقتصادي بارز، لكنه احتفظ بمكانه داخل الدائرة التي تستدعيها الدولة عند مناقشة الحرب والتسوية.
يتولى رضائي أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي في حين ينشغل المجلس بإدارة المواجهة العسكرية، والاتصالات المرتبطة بالمفاوضات مع الولايات المتحدة، وترتيبات الملاحة في مضيق هرمز. وأظهرت المواقف العلنية تباينات بين الحكومة والبرلمان الإيراني والمؤسسات العسكرية حيال حدود التفاوض ومستقبل الممر البحري.
وظهر جانب من الخلاف خلال دفاع بزشكيان عن مذكرة تفاهم إسلام آباد؛ إذ أقرّ بأن مواقف أعضاء المجلس لم تكن متطابقة في بداية المناقشات، قبل أن يصوّت 12 عضواً من أصل 13 لمصلحتها.
وذكر الرئيس أن القادة العسكريين والأمنيين شاركوا في الاجتماعات وأيَّدوا المذكرة؛ استناداً إلى تقييمات الخبراء للمرحلة التي تمر بها البلاد بين الحرب والسلام. لكن التفاهم أثار اعتراضات داخل البرلمان الإيراني ووسائل الإعلام المحافظة، خصوصاً بشأن مستقبل مضيق هرمز وحدود الدور الأميركي في أي ترتيبات جديدة.
ولم يدخل رضائي هذه الملفات من دون مواقف معلنة. فقد قال في إحدى المناسبات، إن الشعب الإيراني توصل إلى قناعة بضرورة المقاومة، معرباً عن قناعته بأن الولايات المتحدة وإسرائيل طلبتا وقف إطلاق النار بعدما «عجزتا عن تحقيق أهدافهما». وعندما تجددت المواجهة، رفض افتراض أن طهران ستقبل تهدئة جديدة عقب هجوم قصير، وخاطب القيادة الأميركية قائلاً: «هل ظننتم أننا سنقبل طلبكم لوقف إطلاق النار بعد هجوم قصير الأمد؟».
وأعلن معارضته تمديد وقف النار بصيغة مباشرة: «أنا لا أؤيد إطلاقاً تمديد وقف إطلاق النار، وهذا رأي شخصي». ورأى أن إنهاء القتال ينبغي أن يقترن بتحويل نتائجه مكاسب سياسية، وربط أي تفاوض مع الولايات المتحدة بضمانات واضحة وتعويضات عن الأضرار. كما طالب بمساءلة المفاوضين إذا انتهت المحادثات إلى اتفاق «لا يحفظ ما حققته» إيران أو لا يوفر ضمانات تمنع تجدد الهجوم.
وفي ملف مضيق هرمز، تعامل رضائي كغيره من القادة الميدانيين في «الحرس» مع الممر البحري بصفته إحدى أهم أدوات القوة الإيرانية. وقال إن المضيق «أكثر أهمية من عشرات القنابل الذرية»، وإن طهران ستحميه، مضيفاً أن القوات المسلحة تمتلك «أوراق قوة كبيرة لم تُستخدم بعد» في مواجهة الحصار والضغوط الأميركية. وأعلن أن القادة العسكريين الإيرانيين «على الزناد»، وأن الرد على أي خطوة جديدة سيكون «ضربة قاضية».
القيادي في «الحرس الثوري» محسن رضائي يلقي خطاباً أمام مشيعين بالقرب من قبر الجنرال قاسم سليماني بمدينة كرمان جنوب إيران 24 نوفمبر 2025 (التلفزيون الرسمي)
بهذه المواقف، وصل رضائي إلى أمانة المجلس، وقد أعلن مسبقاً تفضيله استخدام الضغط العسكري والبحري قبل تقديم تنازلات تفاوضية. لكنه يتولى الآن تنسيق العمل بين مؤسسات لا تتطابق تقديراتها دائماً مع مواقفه الشخصية.
ومع أن موقع الأمين لا يخوّله اتخاذ القرارات منفرداً، فإنه يجعله اللاعب الأبرز في توجيه عمل المجلس وفق سياسة المرشد. فالمجلس يضم الرئيس ومسؤولين حكوميين وقادة عسكريين وممثلَي المرشد، ولا تصبح قراراته نافذة إلا بعد مصادقة المرشد عليها، في حين يتولى الأمين إدارة جدول الأعمال وجمع تقديرات الأجهزة وصوغ مخرجات الاجتماعات ومتابعة تنفيذ القرارات بين الجهات المعنية.
ويمنح سجل رضائي العسكري، إلى جانب عمله الطويل في مجلس تشخيص مصلحة النظام، معرفة مباشرة بهذه الأجهزة وآليات عملها. أما وزنه الفعلي، فلا يُقاس بهامش استقلاله أو بصرامة مواقفه العلنية، بل بقدرته على تحويل إرادة مؤسسة المرشد إلى سياسة دولة، وإدارة التباينات داخل المجلس حتى تنتهي إلى الموقف الذي تريده، ثم إضفاء غطاء مؤسسي عليه. فهو لا يعود إلى المجلس ليصوغ اتجاهاً خاصاً به، وإنما ليضمن أن تتحدث مؤسسات متباينة بصوت المرشد.
ولد محسن رضائي عام 1954 في مسجد سليمان، شمال شرقي محافظة الأحواز، وهي منطقة ارتبطت بصناعة النفط وبنية اجتماعية وقبلية ذات حضور لوري واسع. وأصبحت المحافظة لاحقاً إحدى الجبهات الرئيسية في الحرب العراقية – الإيرانية.
وقبل ثورة عام 1979، انخرط في تنظيم «المنصورون»، أحد التنظيمات المسلحة التي عملت ضد حكم الشاه في تلك المنطقة. ومنحته التجربة صلة مبكرة بالشبكات الثورية التي تولت مواقع أمنية وعسكرية بعد سقوط النظام الملكي، ومهَّدت لدخوله مؤسسات الجمهورية من البوابة الأمنية.
ومع تعدد الأجهزة الثورية خلال السنوات الأولى، برز رضائي داخل جهاز استخبارات «الحرس الثوري». وساعده الجمع بين النشاط السري والخبرة الأمنية والولاء للقيادة الجديدة على التقدم سريعاً داخل النظام الناشئ، وسط الصراع الداخلي والاغتيالات السياسية واندلاع الحرب مع العراق.
وفي عام 1981، عيّنه الخميني، المرشد المؤسس، قائداً لـ«الحرس الثوري»، وكان يبلغ نحو 27 عاماً. وضعه القرار على رأس جهاز لم تكتمل بنيته بعد، في دولة تواجه حرباً خارجية وصراعاً داخلياً على شكل مؤسساتها الجديدة.
محسن رضائي يزور كوريا الشمالية لإبرام صفقة أسلحة أثناء الحرب الإيرانية – العراقية (موقع رضائي الرسمي)
أمضى رضائي 16 عاماً في قيادة «الحرس الثوري»، في أطول مراحل مسيرته وأكثرها تأثيراً. وجاء تعيينه قبل اكتمال البنية العسكرية والأمنية التي امتلكها الجهاز لاحقاً؛ فقد تنازعت «الحرس الثوري» تشكيلات محلية واتجاهات سياسية وعسكرية متعددة، في حين فرضت الحرب تحويله قوةً منظمةً قادرة على خوض عمليات واسعة.
وخلال ولايته، انتقل «الحرس الثوري» من تشكيل ميليشياوي غير مكتمل البنية إلى جهاز عسكري وأمني ذي قيادة مركزية ووحدات برية وبحرية وجوية موازية للجيش النظامي. وبعد وقف التقدم العراقي واستعادة مدينة المحمرة عام 1982، شارك رضائي في التخطيط للمرحلة التي نقلت فيها طهران المعارك إلى داخل الأراضي العراقية.
وظل قرار مواصلة الحرب بعد استعادة المحمرة أحد أكثر ملفات تلك المرحلة إثارة للخلاف. فقد تجاوزت أهداف طهران تحرير الأراضي المحتلة إلى إسقاط نظام صدام حسين، والحصول على تعويضات، وفرض شروط سياسية وعسكرية على بغداد.
وكان رضائي من أبرز الداعين إلى استمرار العمليات، ضمن قيادة أوسع ضمت الخميني ومسؤولين سياسيين وعسكريين. كما شارك في وضع خطط استهدفت مدناً ومواقع عراقية، وفي مقدمها البصرة، قبل أن يواجه انتقادات بسبب الخسائر البشرية الكبيرة وعدم تحقيق حسم عسكري.
ودافع لاحقاً عن قرارات تلك المرحلة، مشدداً على أن مواصلة الحرب كانت قراراً اتخذته الدولة، وأن قيادة «الحرس الثوري» نفذت التوجهات التي أقرّتها المؤسسات السياسية والعسكرية. لكن موقعه على رأس الجهاز جعله أحد أبرز وجوه الحرب والمسؤولين الذين ارتبطت أسماؤهم بنتائجها.
وتجمع صورته العسكرية بين مرحلتين متباينتين من الحرب، أولها؛ مرحلة أسهم فيها «الحرس الثوري» في وقف التقدم العراقي واستعادة الأراضي، والأخرى؛ مرحلة طويلة من العمليات داخل العراق انتهت من دون بلوغ الأهداف التي وضعتها طهران.
صنعت الحرب نفوذ رضائي ومنحته مكانة دائمة بين قادة الجيل الأول وشبكة واسعة داخل المؤسسة العسكرية. وفي المقابل، أبقت قرارات السنوات الأخيرة من القتال وخسائرها اسمه حاضراً في الجدل بشأن كفاءة القيادة وحساباتها الميدانية.
محسن رضائي مع القيادي السابق محسن رفيق دوست خلال مراسم تكريمه فبراير 2025 (مهر)
شهد عام 1988 سلسلة من الانتكاسات العسكرية، استعادت خلالها القوات العراقية شبه جزيرة الفاو وجزيرة مجنون ومواقع أخرى، قبل أن تقبل إيران قرار مجلس الأمن رقم 598 وتنتهي الحرب لاحقاً.
وكشفت شهادات مسؤولين شاركوا في إدارة القتال عن ارتباك في تقدير حجم الهجوم العراقي. ونقل حسن روحاني، الذي كان عضواً في مجلس الدفاع، أن رضائي استبعد في البداية إمكان سقوط الفاو، قائلاً إن المنطقة لن تسقط إلا إذا استخدم العراق قنبلة ذرية.
وذكر القيادي الميداني غلام علي رشيد، الذي قُتل في الضربات الإسرائيلية خلال يونيو 2025، أن قائد «الحرس الثوري» لم يقتنع منذ البداية بأن القوات العراقية تشن هجوماً شاملاً.
تصفح أيضًا: ترمب: نزع السلاح النووي الإيراني يمضي جيداً
وتشير روايات عدة إلى أن الهجوم بدأ في غياب عدد من كبار قادة «الحرس الثوري» عن جبهة الفاو؛ إذ كانوا يشاركون في ندوة بمدينة كرمانشاه، في حين انشغل بعضهم بنشاطات مرتبطة بانتخابات البرلمان الإيراني.
وفي خضم التراجع، بعث رضائي إلى القيادة برسالة عرض فيها احتياجات عسكرية وبشرية واقتصادية ضخمة لمواصلة القتال وتحقيق أهداف الحرب. واستند الخميني لاحقاً إلى تلك التقديرات ضمن مبررات قبول القرار 598، بعدما أظهرت اتساع الفجوة بين أهداف الحرب والموارد المتاحة لتنفيذها.
وسجل الرئيس الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني في مذكراته انتقادات حادة للانسحابات العسكرية، وتحدث عن اتجاه داخل القيادة إلى محاكمة المسؤولين عنها ومعاقبتهم. وطالب صادق خلخالي، قاضي «محكمة الثورة» بإعدام رحيم صفوي وقائدين آخرين على خلفية سقوط الفاو، في حين تدخل رفسنجاني لوقف تنفيذ أحكام بحق عدد من القادة العسكريين. وأصبح صفوي قائداً لـ«الحرس الثوري» بعد محسن رضائي، وهو مستشار حالي للمرشد الإيراني.
وتذكر مذكرات رفسنجاني أن رضائي بكى وفكر في الاستقالة عقب قبول القرار، بالتزامن مع انتشار شائعة عن اعتقاله، قبل أن يُطلب منه البقاء في منصبه والظهور على التلفزيون لنفيها. ولم تسفر الدعوات إلى محاسبته عن أي إجراء معلن بحقه.
وأشار رفسنجاني أيضاً إلى تدخله للإفراج عن أحمد وحيدي، الذي سُجن بسبب أدائه خلال عملية «مرصاد» في كرمانشاه، وهي عملية عسكرية شهدت قتالاً عنيفاً بين القوات الإيرانية وجماعة «مجاهدي خلق». وتكشف هذه الروايات عن حدة التوتر داخل القيادة الإيرانية بعدما خسرت القوات خلال أشهر مواقع استغرق الاستيلاء عليها سنوات.
شكّل ذلك العام نقطة فاصلة في صورة رضائي العسكرية. فقد خرج من الحرب محتفظاً بمنصبه، لكن الانتكاسات بقيت جزءاً من الجدل بشأن قيادته للعمليات في سنوات القتال الأخيرة.
وتمنح عودته الحالية تلك التجربة صلة مباشرة بموقعه الجديد. ففي عام 1988، كتب من موقع القائد ما تحتاج إليه إيران كي تواصل الحرب؛ أما اليوم، فيتولى أمانة المؤسسة التي تجمع تقديرات القادة والحكومة قبل رفع القرار إلى المرشد. تبدلت صفته، في حين عادت الأسئلة نفسها تقريباً: حجم الموارد المتاحة، وحدود الاستمرار، وشروط التوقف.
محسن رضائي على رأس وفد من «الحرس الثوري» بينهم القيادي محمد علي جعفري في تدمر السورية بالتسعينات (موقع رضائي)
لم تضع نهاية الحرب حداً لقيادة رضائي؛ إذ بقي على رأس «الحرس الثوري» تسع سنوات أخرى، حتى غادر منصبه عام 1997، بعد 16 عاماً من تعيينه. وانتقل مباشرة إلى مجلس تشخيص مصلحة النظام وتولى أمانته، ليبدأ مساراً مؤسسياً أبقاه داخل منظومة الحكم.
وشغل أمانة المجلس نحو 24 عاماً، وظل حاضراً من خلال مؤسسة تفصل في الخلافات بين البرلمان الإيراني ومجلس صيانة الدستور، وتقدم المشورة إلى المرشد بشأن السياسات العامة.
وأتاح له الموقع الانتقال من إدارة العمليات العسكرية إلى ملفات الاقتصاد والسياسة والإدارة. وخلال تلك المرحلة، سعى إلى ترسيخ صورته بوصفه رجل دولة تتجاوز خبرته ميدان الحرب، فطرح برامج اقتصادية واستراتيجية.
وحصل لاحقاً على درجة الدكتوراه في الاقتصاد، مستفيداً، شأنه شأن عدد من قادة «الحرس الثوري»، من تسهيلات أكاديمية أتاحتها مؤسسات الدولة للعسكريين بعد الحرب، في مسار ارتبط بالتأهيل المؤسسي أكثر من ارتباطه بتكوين علمي تقليدي.
وحافظ على صِلاته بالمؤسسة العسكرية ومكتب المرشد، وواصل الظهور بصفته أحد أبرز قادة الحرب العراقية – الإيرانية، كما شارك في المناقشات الاستراتيجية والأمنية بعد مغادرته قيادة «الحرس الثوري».
وبعد سنوات من خروجه من القيادة العسكرية، عاد رضائي إلى ارتداء البزة عام 2016، بالتزامن مع اتساع الدور الإقليمي الإيراني، ولا سيما في سوريا، خلال مرحلة سعت فيها طهران إلى جني الثمار السياسية والاقتصادية للاتفاق النووي، قبل انهياره لاحقاً.
لم يكن انتقاله إلى مجلس تشخيص مصلحة النظام تقاعداً من الحياة العسكرية بقدر ما كان تغييراً لموقعه داخلها. فقد ابتعد عن القيادة اليومية للقوات، لكنه بقي قريباً من المؤسسات التي تحدد السياسات العامة وتفصل في النزاعات بين أجنحة الحكم.
بدأت اختبارات رضائي الانتخابية بإخفاقه في الفوز بمقعد في البرلمان الإيراني عام 2000، في أول اقتراع كبير خاضه بعد مغادرته قيادة «الحرس الثوري». وفي عام 2005، دخل السباق الرئاسي قبل أن ينسحب قبيل الاقتراع.
في أبريل (نيسان) 2008، وجّه محمود أحمدي نجاد، من دون أن يسمّي محسن رضائي، اتهامات ضمنية إليه تتعلق باستيراد السجائر وتهريبها. وتحدث الرئيس الإيراني آنذاك، خلال خطاب في مدينة قم ذات الثقل المحافظ، عن مسؤول نافذ يشغل منصباً رسمياً ويكثر من المقابلات، واتهمه باستدعاء مستورد أراد العمل بصورة قانونية ومطالبته بدفع مبلغ كبير إلى طرف آخر، ثم الضغط على رئيس شركة التبغ لمنع إصدار الترخيص.
وبعد أيام، نشر موقع «رجا نيوز»، المنصة الإعلامية لجماعة «بايداري» المتشددة، تقريراً عن «قائد عسكري سابق» و«عضو في مجمع»، وأورد إشارات إلى موقع «بازتاب» الأخباري، قادت إلى رضائي. واتهمه الموقع بالارتباط بشبكة لإدخال سجائر «مارلبورو» عبر شركة خارجية، والتدخل لحماية مصالحها، وربط نشاطها بتمويل أحزاب وحملات انتخابية.
ورد موقع «تابناك»، المقرب من رضائي، باتهامات مضادة طالت شخصيات محسوبة على الإصلاحيين وكذلك مساعد وحليف أحمدي نجاد، إسفنديار رحيم مشائي، لكنه لم يقدم بدوره أدلة مستقلة.
صورة نشرها موقع المرشد الإيراني السابق علي خامنئي من محسن رضائي على هامش أحد الاجتماعات (أرشيفية)
وجاءت الاتهامات وسط انقسام انتخابي داخل المعسكر المحافظ، ولم تُنشر وثائق مستقلة أو يصدر حكم قضائي يثبت تورط رضائي.
وفي يوليو (تموز) 2011، اتهم أحمدي نجاد «الإخوة المهرّبين» المرتبطين بمراكز النفوذ بإدارة أرصفة خارج رقابة الجمارك. وأقرّ قائد «الحرس الثوري» في تلك السنة، محمد علي جعفري بوجود أرصفة عسكرية، لكنه نفى استخدامها لتهريب البضائع، قبل أن يتراجع موقع الرئاسة عن الصيغة المنشورة لتصريحات أحمدي نجاد.
لم تنه الاتهامات مسيرة محسن رضائي، ولم تؤدِ إلى محاكمة أو إقصاء مؤسسي. وسرعان ما عاد إلى المنافسة الانتخابية محتفظاً بموقعه في مجلس تشخيص مصلحة النظام وعلاقاته داخل المؤسسة العسكرية.
وفي انتخابات عام 2009، نافس محمود أحمدي نجاد ومير حسين موسوي ومهدي كروبي. واعترض بدايةً على النتائج الرسمية، ثم سحب اعتراضه من دون الانضمام إلى الحركة الاحتجاجية أو الخروج عن الإطار السياسي للنظام.
وحاول عام 2013 توظيف خبرته الاقتصادية والاستفادة من الانتقادات الموجهة إلى حكومة أحمدي نجاد. إلا أن حسن روحاني حسم الانتخابات من الجولة الأولى، مستنداً إلى خطاب الانفتاح والتسوية النووية، في حين حل رضائي في المركز الرابع.
وجاءت آخر محاولاته في انتخابات عام 2021، حين حل ثانياً وفق النتائج الرسمية، خلف إبراهيم رئيسي، في اقتراع شهد استبعاد شخصيات بارزة وتراجع نسبة المشاركة. وخاض رضائي السباق ببرنامج جمع بين خبرته العسكرية ومقترحاته الاقتصادية، لكنه أخفق مجدداً في بلوغ المنصب الذي سعى إليه مراراً.
ورسخت هذه المشاركات التفاوت بين محدودية حصيلته الانتخابية واستمرار نفوذه المؤسسي؛ إذ احتفظ بمكانته داخل الدولة من دون أن ينجح في بناء قاعدة شعبية توصله إلى الرئاسة.
انضم رضائي إلى حكومة إبراهيم رئيسي عقب انتخابات عام 2021، وتولى منصب نائب الرئيس للشؤون الاقتصادية وسط عقوبات واسعة وتضخم مرتفع وتراجع متواصل في قيمة العملة.
وطرح مقترحات لإعادة تنظيم الإدارة الاقتصادية وتحسين التنسيق بين الأجهزة، لكن فترة عمله لم تقترن بتغير ملموس في المؤشرات الرئيسية أو أسلوب إدارة الأزمة.
وأتاح له تعيينه اختبار البرامج التي روّج لها على مدى سنوات، خلال حملاته الرئاسية وعمله في مجلس تشخيص مصلحة النظام. غير أن التجربة أظهرت صعوبة نقل الخطط من مؤسسة استشارية إلى حكومة تواجه قيوداً مالية وسياسية وضغوطاً خارجية متزايدة.
وغادر الحكومة على نحو مفاجئ عام 2023، بعد نحو عامين لم تسجل خلالهما تجربته التنفيذية تحولاً بارزاً يعزز رصيده السياسي أو الانتخابي. ثم واصل نشاطه في مجلس تشخيص مصلحة النظام، محتفظاً بقنواته مع المؤسسة العسكرية ومكتب المرشد.
تلتقي في عودة محسن رضائي إلى أمانة المجلس الأعلى للأمن القومي ثلاثة مسارات طبعت حياته العامة، قائد حرب امتلك نفوذاً واسعاً داخل القوات المسلحة، ومسؤول مؤسسي أمضى عقوداً قرب المرشد، ومرشح رئاسي أخفق مراراً في تحويل نفوذه إلى أصوات.
محسن رضائي في حوار سابق مع موقع «جماران» التابع لمؤسسة الخميني (أرشيفية)
ومع أن المنصب لا يخوّله إعلان الحرب أو إبرام اتفاق أو فتح مضيق هرمز وإغلاقه منفرداً، فإنه يجعله اللاعب الأبرز في أعلى هيئة أمنية. فمن مكتبه تُجمع تقديرات المؤسسات العسكرية والحكومة ووزارة الخارجية، وتصاغ مخرجات الاجتماعات، وتتابع القرارات قبل رفعها إلى المرشد للمصادقة عليها.
وتنقل المهمة مواقف رضائي المتشددة من نطاق الخطابة إلى اختبار مؤسسي مباشر. فالرجل الذي عارض تمديد وقف النار وهدد السفن والقواعد الأميركية سيجد نفسه أمام مهمة إدارة التباينات داخل مجلس يضم مسؤولين يدفع بعضهم نحو تسوية تعيد فتح الممرات البحرية وتخفف كلفة الحرب، مع ضمان انتهاء المداولات إلى السياسة التي تريدها مؤسسة المرشد.
لم توصله صناديق الاقتراع إلى الرئاسة، ولم تمنحه تجربته الحكومية رصيداً اقتصادياً يُذكر. ومع ذلك، أعاده التعيين إلى قلب الهيئة التي تمر عبرها قرارات الحرب والسلم. وتلخص عودته المسار الأكثر ثباتاً في حياته السياسية، فكلما ابتعد عن منصب أو خسر انتخاباً، أعادته المؤسسة إلى السلطة من باب آخر.




