في عالم كرة القدم، توجد مواجهات تبدأ فصولها قبل سنوات طويلة من إطلاق صافرة البداية، وتظل تفاصيلها الدقيقة محفورة في الذاكرة مهما تعاقبت البطولات وتبدلت الأدوار بين اللاعبين والمدربين.
ومن بين تلك القصص التاريخية والمثيرة، تبرز حكاية خاصة جدًا تجمع بين الأسطورة الأرجنتيني ليونيل ميسي والمدرب الإسباني لويس دي لا فوينتي، والتي بدأت عندما كان أحدهما مراهقًا يشق طريقه نحو النجومية والآخر مدربًا يبحث عن إثبات ذاته.
واليوم، وبعد مرور اثنين وعشرين عامًا على لقائهما الأول، يعود الرجلان للوقوف وجهًا لوجه ولكن على المسرح الأكبر والأهم في الكرة الأرضية، حيث يصطدم منتخب الأرجنتين بنظيره الإسباني في نهائي بطولة كأس العالم 2026 المقررة يوم الأحد في مدينة نيويورك.
تعود فصول هذا السر المدفون إلى تاريخ 15 مايو من عام 2004، وتحديدًا على أرضية ملعب “مينيستادي” التابع لنادي برشلونة الإسباني، خلال مواجهة إياب دور الستة عشر من بطولة كأس ملك إسبانيا للشباب.
في تلك الفترة، كان لويس دي لا فوينتي يتولى القيادة الفنية لفريق شباب إشبيلية، وكان يستعد لمواجهة فريق شباب برشلونة الذي كان يضم في صفوفه فتى نحيل القوام يبلغ من العمر 16 عامًا فقط، يدعى ليونيل ميسي.
ورغم أن الصحافة والمدربين كانوا يتحدثون باهتمام عن موهبة أكاديمية “لاماسيا” الصاعدة، إلا أن أحدًا لم يكن يتوقع حجم العرض الاستثنائي والمرعب الذي سيقدمه هذا النجم الأرجنتيني الشاب في شباك الفريق الأندلسي.
وشهدت تلك المباراة ليلة لا تُنسى في مسيرة ميسي الشاب، حيث نجح بمفرده في دك شباك شباب إشبيلية بأربعة أهداف كاملة “سوبر هاتريك”، ليقود الفريق الكتالوني للفوز ويترك دي لا فوينتي عاجزًا عن وضع حد لخطورته.
اقرأ ايضا: استئناف الدوري الأمريكي قبل نهاية كأس العالم.. لكن بدون ميسي!
واستعاد مدرب المنتخب الإسباني الحالي تلك الذكرى العالقة في ذهنه بابتسامة واسعة خلال المؤتمر الصحفي الرسمي الذي يسبق نهائي كأس العالم، كاشفًا عن كواليس طريفة حدثت في تلك الليلة الشهيرة قبل عقدين.
وقال دي لا فوينتي مازحًا: “التقيت ميسي عندما كنت مدربًا لشباب إشبيلية، وكنت قد سمعت عنه الكثير، وفي البداية فرضنا عليه رقابة لصيقة، لكن في الدقيقة 70 حصل اللاعب المكلف بمراقبته على بطاقة صفراء فقررت استبداله، ليفاجئنا ميسي بتسجيل أربعة أهداف كاملة في غضون 15 دقيقة فقط”.
وأضاف المدرب الإسباني أمام وسائل الإعلام أنه لن يلجأ في نهائي الأحد إلى فرض رقابة فردية لصيقة على قائد التانغو، مشيرًا في الوقت ذاته إلى أن المنتخب الأرجنتيني سيعمل بدوره على مراقبة عناصر إسبانيا القوية.
ولم تكن تلك الرباعية مجرد طفرة في مباراة عابرة، بل كانت انعكاسًا لموسم استثنائي عاشه الفتى الأرجنتيني في ملاعب الشباب، حيث خاض خلال موسم 2003-2004 حوالي 37 مباراة رسمية مع مختلف فئات فرق الشباب ببرشلونة وسجل خلالها 35 هدفًا.
وبحسب ما أفادت به صحيفة “موندو ديبورتيفو” الإسبانية الشهيرة، فإن ميسي واواصل تألقه في تلك النسخة من كأس الشباب وسجل هدفين في مرمى أوساسونا بنصف النهائي، رغم أن النادي الكتالوني ودع المسابقة لاحقًا ولم يتأهل للنهائي.
وشكل ذلك الموسم الاستثنائي نقطة التحول الكبرى في مسيرة ليو، حيث تلقى بعدها بفترة وجيزة أول استدعاء رسمي لتمثيل منتخب الأرجنتين تحت 20 عامًا، ليخوض مباراتين ويسجل ثلاثة أهداف، مطلقًا شرارة مسيرته الدولية الحافلة.
والآن، يتجدد اللقاء التاريخي بين الثنائي في نهائي كأس العالم 2026، في مشهد تبدلت فيه الأدوار تمامًا، حيث تحول المراهق الصغير إلى أعظم لاعب في تاريخ اللعبة، وتحول مدرب الشباب إلى قائد لكتيبة “لا روخا”.
ويدخل ميسي اللقاء وعينه على تحقيق اللقب المونديالي الثاني في مسيرته الأسطورية، بينما يطمح دي لا فوينتي لكتابة مجد شخصي وقيادة إسبانيا لمنصات التتويج للمرة الثانية في تاريخها، والثأر من ذكريات ليلة 2004 البعيدة.




