فيلم بحكاية غريبة، ونهاية قسمت الجمهور.. هكذا وصل «فيرتي» (Verity) إلى دور السينما، ببطولة آن هاثاواي وداكوتا جونسون وجوش هارتنت، قبل أن تتحول نهايته إلى الجزء الأكثر إثارة للجدل. الفيلم، الذي أخرجه مايكل شوالتر، ينتمي إلى الإثارة النفسية، ويلعب منذ البداية على الشك في جميع شخصياته وما ترويه، إذ إن كل اكتشاف يغيِّر شيئاً مما سبقه، حتى يصل إلى نهاية تعيد فتح الحكاية كاملة.
يستند «فيرتي» إلى رواية كولين هوفر التي صدرت عام 2018، وحققت نجاحاً واسعاً، بيع منها ملايين النسخ، وظلَّت لسنوات حاضرة على قوائم الكتب الأكثر مبيعاً. وحافظت النسخة السينمائية على لغز نهايتها، بعد تحولات عدة سبقت استقرارها على النهاية التي وصلت إلى الصالات، نهاية الأسبوع الماضي، ومن بينها صالات السينما السعودية، فيما حقق «فيرتي» افتتاحية عالمية تجاوزت فيلم توم كروز، «ديغر»، بفارق كبير.
مصادفة تفتح الحكاية
يبدأ «فيرتي» بمشهد دموي مفاجئ؛ رجل يلقى حتفه في حادث سير وسط نيويورك، وتتناثر دماؤه على الكاتبة المتعثرة لوين آشلي (داكوتا جونسون)، ثم يظهر رجل غريب لمساعدتها، لتكتشف بعد دقائق أن الرجل هو جيريمي كروفورد (جوش هارتنت)، الذي ينتظرها في الاجتماع الذي كانت في طريقها إليه.
جيريمي هو زوج الروائية الشهيرة فيرتي كروفورد (آن هاثاواي)، التي تركها حادث سيارة عاجزة عن الحركة والكلام، فيما ترك نجاحها الكبير سلسلة روائية تحتاج إلى مَن يكملها. هنا يعرض جيريمي على لوين كتابة الأجزاء المتبقية بشكل سري، مقابل مبلغ مالي كبير يُقدَّر بنصف مليون دولار. ولإتمام هذه المهمة، تنتقل لوين إلى منزل عائلة كروفورد لتبحث بين أوراق فيرتي وملاحظاتها عن المادة التي تساعدها على استكمال الكتب، وهناك تعثر على مخطوطة غير منشورة تحمل اعترافات صادمة عن زواج فيرتي وأطفالها ومشاعرها تجاه الأمومة.
عند هذه النقطة يتغير مسار الحكاية؛ إذ تجد لورين نفسها أمام سر لا يعرفه أحد، وبشكل تدريجي تدخل إلى عالم فيرتي وتقترب من زوجها، وترتدي أحد فساتينها، وفي هذه الأثناء تراقب المرأة التي يُفتَرض أنها عاجزة، فيما تتزايد شكوكها بأن فيرتي ترى وتسمع وتتحرك، وأن عجزها قد لا يكون كما يبدو.
آن هاثاواي وجوش هارتنت في مشهد من الفيلم (imdb)
آن هاثاواي في عام مزدحم
ورغم أن مساحة آن هاثاواي في الفيلم هي الأقل، فإنها الشخصية الأكثر حضوراً فيه… ويتشكل ذلك في صمتها الطويل ونظراتها وحركاتها القليلة التي تمنح الشخصية الغموض الذي تحتاج إليه، فيما تكشف مشاهد الماضي وجهاً مختلفاً تماماً للروائية الشهيرة «فيرتي».
تصفح أيضًا: أسواق الخليج تراوح مكانها وسط ترقب لنتائج المحادثات غير المباشرة بين واشنطن وطهران
يأتي الفيلم في نهاية عام استثنائي لهاثاواي، التي ظهرت في 5 أفلام خلال 2026. من بينها «الأوديسة» و«الشيطان يرتدي برادا» بجزئه الثاني، وصولاً إلى «فيرتي»، إلى درجة أن الممثلة مازحت جمهورها مع نهاية جولاتها الترويجية بأنها ستختفي بعد عام أمضت جزءاً كبيراً منه على الشاشة وفي حملات أفلامها. وتزامن هذا الحضور المكثف مع نجاح تجاري جديد؛ إذ تصدر «فيرتي» شباك التذاكر الأميركي، يوم الجمعة، جامعاً 15.1 مليون دولار من 3510 صالات، فيما تشير التقديرات إلى افتتاحية بنحو 33 مليون دولار خلال عطلة نهاية الأسبوع.
رواية تسبق الفيلم
ويبدو أن الشعبية التي سبقت «فيرتي» إلى السينما ساعدت في انطلاقته التجارية؛ فالرواية، التي بدأت بنشر مستقل عام 2018، باعت نحو 1.9 مليون نسخة خلال عام 2022 وحده، قبل أن تصبح واحدة من أبرز أعمال كولين هوفر. كما يأتي الفيلم بعد نجاح سينمائي سابق لاقتباسات الكاتبة، في مقدمتها «It Ends With Us»، الذي تجاوزت إيراداته العالمية 346 مليون دولار؛ ما جعل أعمال هوفر مادة جذابة للاستوديوهات، بفضل قاعدة القراء الكبيرة التي تسبق وصولها إلى السينما.
وتكتسب افتتاحية «فيرتي» أهمية إضافية، بالنظر إلى ميزانية إنتاجه التي بلغت نحو 40 مليون دولار؛ إذ اقتربت إيرادات عطلة افتتاحه الأميركية وحدها من هذا الرقم، في مؤشر مبكر إلى نجاح الرهان على رواية تمتلك جمهوراً جاهزاً ونجوماً معروفين، مقابل تكلفة إنتاج متوسطة بمقاييس هوليوود.
حبكة تراكم الأسئلة
يأتي قلب الفيلم في المخطوطة الخاصة التي تقرأها لوين، وتقدم فيرتي فيها نفسها كامرأة حملت مشاعر قاسية تجاه أطفالها، وتكشف تفاصيل مرعبة حول وفاة ابنتها هاربر… ومع تقدم القراءة، تصبح الصفحات بالنسبة إلى لوين دليلاً يفسر كل ما يحدث داخل المنزل، ليجد الجمهور نفسه أمام روائية تكتب عن نفسها بصوت شرير، وكاتبة أخرى تقرأ الكلمات وتتعامل معها باعتبارها حقيقة.
إلا أن تراكم الالتواءات يدفع الحبكة إلى منطقة أكثر فوضوية؛ خصوصاً مع اقتراب النهاية؛ حيث تخفي الشخصيات أسراراً أكثر مما ظهر، وتفتح تصرفاتها أسئلة جديدة قبل أن يجيب الفيلم عن سابقتها. وهو ما انعكس على الاستقبال النقدي؛ إذ سجل الفيلم 33 في المائة لدى النقاد على «روتن توميتوز»، مقابل 70 في المائة لدى الجمهور، مع إشادة متكررة بأداء هاثاواي مقابل انتقادات للحبكة وتطور الشخصيات.
أما الجدل حول حقيقة ما حدث، فهو أقدم من الفيلم نفسه. فقد رافق هذا الالتباس «فيرتي» منذ صدور الرواية عام 2018، وقسّم قراءها بين «فريق المخطوطة» الذي يصدق الاعترافات، و«فريق الرسالة» الذي يرى أن فيرتي كانت ضحية. والمفارقة أن كولين هوفر نفسها لم تكن تملك إجابة محسومة أثناء كتابة الرواية؛ إذ كشفت أنها لم تعرف كيف ستنهي القصة إلا قبل نحو أسبوعين من إكمال الكتاب، ثم عادت إلى فصول سابقة وأضافت إشارات تقود إلى النهاية.
وبعد 8 سنوات، أعاد الفيلم السؤال نفسه إلى الواجهة من دون إجابة قاطعة، ليصبح الغموض الذي حيَّر قراء الرواية طوال سنوات جزءاً من هوية الفيلم نفسه؛ حكاية بدأت بمخطوطة تقدم حقيقة، ثم جاءت رسالة لتقلبها، وانتهت من دون أن تمنح أياً منهما الكلمة الأخيرة.




