لم يكن الفوز العريض لبرايتون على أرسنال بثلاثية نظيفة في الدوري الإنجليزي الممتاز مجرد مفاجأة رقمية في جدول الترتيب، بل كانت بمثابة إعلان رسمي عن ميلاد نجم من طراز فريد في خط الوسط.
في قلب تلك الملحمة التكتيكية، وقف الشاب الإسباني تشيما أندريس، صاحب الـ21 عامًا، يطأ عشب البريميرليج بثبات وتفوق ذهني وبدني يجعلك تظن أنه يخوض موسمه الخمسين في الملاعب الأوروبية.
ابن فالنسيا الشاهق بطول 1.90 م، ويلعب في مركز الارتكاز الدفاعي، قدّم درسًا متكاملًا في التحكم بـ”رتم” اللعب، والافتراس في المواجهات الفردية، وتكسير خطوط أرسنال بتمريرات عمودية ساحرة خلال مباراته الأولى أساسيًا في البريميرليج.
لكن المشهد الأكثر إيلامًا لم يكن في سواحل إنجلترا الجنوبية أو شمال لندن، بل في مكاتب “فالديباس” بالعاصمة الإسبانية مدريد؛ حيث كان المسؤولون يتابعون حسرةً كيف تحول أحد أبرز خريجي أكاديميتهم “الكاستيا” إلى جوهرة تتلألأ في البريميرليج، دون أن يملك النادي الملكي أي خيار مباشر لاستعادته.
تشيما أندريس لا يملك فقط الجينات الإسبانية في الرؤية والمسح المكاني المستمر قبل استلام الكرة، بل يتمتع ببنية جسدية فارعة (1.90 م) تمنحه التفوق المطلق في الكرات الهوائية والمصادمات البدنية، إلى جانب اعتماده على قدمه اليمنى في توجيه اللعب وفتح زوايا التمرير المغلقة.
ما أظهره أندريس في رحلته بين شتوتجارت وبرايتون يوضح أنه يمتلك خصائص نادرة تدمج بين صلابة المدافع وذكاء صانع اللعب الخلفي.
هو اللاعب الذي يطلب الكرة في أشد مناطق الضغط تعقيدًا، ولا يتردد في نقل الفريق من الوضع الدفاعي إلى الهجومي بلمسة واحدة.
هذه المواصفات بالتحديد هي ما جعلت المتابعين يضعونه في مقارنة مباشرة ومستحقة مع بطل العالم ونجم برشلونة الجديد “رودري”، كونه البروفايل الأقرب له.
في الصيف الماضي، كان ريال مدريد قريبًا جدًا من حسم صفقة رودري نفسه لتدعيم خط الوسط، إلا أن التفاصيل التفاوضية الأخيرة لم تكتمل، ليدخل برشلونة على الخط ويخطف بطل العالم.
ولم تكد إدارة الميرينجي تستوعب درس تفويت رودري الأصلي، حتى كرر النادي الخطيئة ذاتها مع نسخته الشابة.
خروج تشيما أندريس نحو شتوتجارت ثم انتقاله إلى برايتون كان يعكس افتقارًا واضحًا للرؤية المستقبلية.
تصفح أيضًا: ثورة تصحيح في الهلال.. الإطاحة بثلاثي وضم صفقتين استعدادًا للموسم الجديد
فبدلًا من فرض القوة المالية أو تقديم عرض يماثل عرض برايتون ثم إعارة اللاعب إلى شتوتجارت أو أي نادٍ آخر يضمن له دقائق اللعب والتطور تحت عين النادي الملكي، فضلت الإدارة جني الأرباح السريعة والانسحاب الكامل من المشهد.
من الناحية المحاسبية المحضة، حقق ريال مدريد ربحًا صافيًا قدره 20 مليون يورو من خلال تفعيل بند 50% من قيمة البيع عند انتقال أندريس إلى برايتون. ولكن من الناحية الرياضية، كانت هذه الخطوة مجرد مسكن اقتصادي تكلفته التكتيكية باهظة جدًا.
تخلي ريال مدريد الكامل عن أي بند يتيح له إعادة شراء اللاعب أو حقه في الفيتو التفاوضي وضع النادي في موقف الضعيف مستقبلًا.
في تشكيلة ريال مدريد الحالية، تبدو الحاجة ماسة إلى ضابط إيقاع يمتلك النضج والقدرة على القراءة التكتيكية لملء الفراغ الهائل في الارتكاز الدفاعي؛ وكان تشيما أندريس جاهزًا تمامًا ليكون هذا الحل المستدام خلال عامين على الأكثر، لو أحسن الريال إدارة ملفه.
يعلم الجميع في عالم كرة القدم أن التعامل مع نادي برايتون في سوق الانتقالات يشبه السير في حقل ألغام مالي. برايتون أصبح أكاديمية تطوير عالمية تشتري بذكاء وتبيع بأسعار خيالية.
مع الأداء المبهر الذي يقدمه تشيما أندريس في البريميرليج بعد أن سجل وصنع في أول مباراتين له (واحدة كأساسي وأخرى كبديل)، لن يتنازل النادي الإنجليزي عن اللاعب مستقبلًا بأقل من 100 مليون يورو أو رقم فلكي آخر، سيعيد للأذهان سيناريو مويسيس كايسيدو وإيف بيسوما وكارلوس باليبا.
إذا أراد ريال مدريد تصحيح خطئه بعد موسمين أو ثلاثة، فسيجد نفسه مضطرًا لدفع قيمة مضاعفة عشرات المرات للتعاقد مع لاعب كان بالأمس القريب ملكًا له داخل أروقة الفالديباس.
وعلى الرغم من أن سوق الانتقالات الحالي قد يبرر دفع هذه المبالغ في الخامات النادرة، إلا أن السؤال الذهبي يبقى: لماذا يدفع ريال مدريد ثمن سوء تخطيطه من خزينته الخاصة؟
لا تُقاس جودة إدارة الأندية الكبرى بحجم الأرباح الفورية المسجلة في الميزانية السنوية فحسب، بل بالقدرة على حماية أصول النادي الرياضية وبناء هيكل تكتيكي مستقر للسنوات القادمة.
تفريط ريال مدريد في تشيما أندريس بدون أي خطة استعادة يُعد سقطة إدارية وتكتيكية ستتجلى آثارها أكثر كلما تألق اللاعب في سماء الدوري الإنجليزي.
لقد فقد النادي الملكي خيار رودري الأول بعثرات تفاوضية، ثم أهدى برايتون “رودري الجديد” على طبق من ذهب مقابل 20 مليون يورو فقط.




