بعد زيارته إلى الولايات المتحدة الأميركية خلال شهر يوليو (تموز) الماضي، «التي فتحت آفاقاً جديدة في العلاقات بين البلدين»، ووضعتها على أعتاب «تطور كبير» حسب القائم بالأعمال الأميركي في بغداد ستيفن فاغن، بدأ رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي الأحد زيارة إلى فرنسا وبعدها سيتوجه لألمانيا.
وأكد البيان الصادر عن المكتب الإعلامي للزيدي أن«العراق يجب أن يستعيد مكانته، وأن يبني علاقاته على أساس المصالح المشتركة»، مشيراً إلى «أننا سنفتح مع باريس أبواباً جديدة للتعاون والاستثمار والتنمية». ومع ألمانيا التي سيزورها بعد فرنسا، أكد البيان أنه «مع برلين سنعمل على تأسيس شراكات للمعرفة والتكنولوجيا والصناعة تقوم على المصالح المشتركة والتنمية». ولفت إلى أن«العراق اليوم ينظر إلى العالم بثقة، ويعمل على بناء شراكات حقيقية تترجم إمكاناته إلى قوة اقتصادية وإقليمية فاعلة في محيطه الدولي».
رئيس الوزراء علي الزيدي خلال التصويت على حكومته في البرلمان العراقي منتصف مايو 2026 (إعلام حكومي)
وتأتي زيارة الزيدي إلى كل من فرنسا وألمانيا في ظل تحديات وتطورات في المنطقة وآخرها الاعتداء على خط نفطي للمملكة العربية السعودية من قبل فصائل مسلحة عراقية أدت بالزيدي إلى القول مجدداً إن «العراق لن يكون ساحة لصراعات الآخرين أو منطلقاً للاعتداء على دول الجوار»، ومشدداً على «تعزيز سلطة الدولة واستقلال قرارها ودعم المؤسسات الأمنية».
الزيدي وفي كلمة له خلال رعايته حفل تخرج طلبة «كلية الشرطة»، بدورة الضباط العالية السادسة والخمسين (دورة أسود الرافدين)، والدورة الـ31 لطلبة «المعهد العالي للتطوير الأمني والإداري» في بغداد، قال إن «محاولات العبث بأمننا ستنكسر أمام وحدة شعبنا ووقوفه مع حكومته وقواته المسلحة»، مؤكداً أن «قوة الأجهزة الأمنية تشكل رادعاً لمحاولات النيل من أمن العراق». وبيّن أن دورة «أسود الرافدين ستلتحق بالخدمة في ظرف دقيق وحسّاس»، مشيراً إلى «أن العراق يقف عند بوابة مهمة يحتاج فيها إلى دور الخريجين لاستكمال أركان السيادة، ومحاربة الفساد، واستعادة قوة وجوده التاريخي، وترسيخ السلم الأهلي والمجتمعي».
وطبقاً لمراقبين سياسيين في العاصمة العراقية، فإن الزيدي يريد وبالتزامن مع جولته الأوربية، أن يؤكد للشركاء الأوروبيين الجدد وفي مقدمتهم فرنسا وألمانيا، أن حكومته باتت قادرة على فرض الأمن والاستقرار الذي يهيئ الأرضية لدخول كبريات الشركات في هذه الدول للسوق العراقية.
القائم بالأعمال في بغداد ستيفن فاغن (منصة إكس)
قد يهمك أيضًا: آرسنال يضم اليوناني تزوليس قادما من كلوب بروج
في مقابل ذلك، وفي تصريح لافت أكد القائم بالأعمال الأميركي الجديد في بغداد، ستيفن فاغن، أن العلاقة بين بغداد وواشنطن على أعتاب «تطور كبير». وقال في مؤتمر له، حسبما أوردت السفارة: «عندما زار رئيس الوزراء علي الزيدي واشنطن خلال الصيف الماضي، كان يحمل تفويضاً من الشعب العراقي لبناء عراقٍ ذي سيادة وآمن ومزدهر، حيث صرّح قائلاً إن عراق اليوم لا يُنظَر إليه كأنه عراق الأمس… بل أصبح اليوم بلداً يحفل بالفرص العظيمة». وتابع: «الرئيس دونالد ترمب لديه تطلعات بشأن العلاقات الثنائية، ولديه شراكة مثمرة مع الشعب العراقي قائمة على نتائج حقيقية وملموسة».
وأضاف فاغن: «شملت الاتفاقيات الموقعة خلال زيارة الزيدي قطاعات الطاقة، والرعاية الصحية، والتكنولوجيا، والقطاعات المالية بقيمة بلغت 60 مليار دولار». وأكد: «خلال فترة عملي بصفتي قائماً بالأعمال في البعثة الأميركية في العراق، فإن هدفي واضح، وهو السعي إلى تعميق الفرص الاقتصادية، وتحقيق إنجازات تصب في مصلحة بلدينا». وأشار إلى أنه «نحن على أعتاب مرحلة تحوّل في طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة والعراق، في ظل اهتمامنا المشترك بتوسيع الفرص التجارية».
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي في البيت الأبيض يوم 14 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
وفي شأن زيارة الزيدي الأوروبية، قال رئيس «مركز التفكير السياسي» إحسان الشمري، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الزيارة تأتي إكمالاً لفلسفة جديدة تتبناها الحكومة العراقية لإيجاد مراكز قوى دولية». وأوضح أن«الحكومة الحالية تسعى إلى تعزيز شراكاتها الدولية عبر بوابة الاقتصاد والاستثمار، لكن زيارة فرنسا لها خصوصية لا سيما في الجانب الأمني والعسكري، حيث من الممكن التباحث حول شراء أنظمة عسكرية حديثة مثل منظومات الدفاع الجوي، خصوصاً بعد انسحاب التحالف الدولي».
وبدوره، قال أستاذ العلاقات الدولية في «الجامعة المستنصرية» عصام الفيلي لـ«الشرق الأوسط»، إن «الزيارة تأتي لتعزيز نهج الدولة لا سيما في الاستثمار والاقتصاد والحوكمة والتحول الرقمي لما تمتلكه تلك الدول من تقنيات وشركات متقدمة».
وبيّن الفيلي أن «فلسفة حكومة الزيدي تقوم على تعزيز دور الجيش العراقي مجدداً بعد التحولات التي تمر بها المنطقة، لذلك قد نشهد اتفاقيات في مجال التسليح». وأشار إلى أن «التغيرات التي طرأت في المنطقة مؤخراً دفعت العراق للتفكير جدياً في إيجاد طرق ومنافذ بديلة، أهمها العمل على تفعيل طريق التنمية وإيجاد منافذ دولية له، فضلاً عن البدء في شراكات اقتصادية مع الدول الأوروبية لما تمتلكه من شركات ضخمة يمكنها الاستثمار في العراق».
ومن جانبه، عدّ الباحث في الشؤون الأمنية والسياسية عباس عبود في حديث له لـ«الشرق الأوسط» ،أن زيارات الزيدي هي جزء من إيجاد مساحة دولية جديدة لا سيما بعد التغييرات التي تحصل في منطقة الشرق الأوسط. وقال إن «لدول الاتحاد الأوروبي شراكات طويلة مع العراق، وهي تحاول دعم التجربة العراقية ما بعد 2003 لتثبيت عهد جديد من الشراكة الاقتصادية والتنموية والاستثمارية».
وأضاف عبود أن «الانفتاح على دول أوروبا ضرورة بالنسبة لكلا الطرفين، فالعراق يبحث عن شراكات اقتصادية، ودول أوروبا تبحث عن تدعيم اقتصادها لا سيما بعد الحرب الروسية الأوكرانية التي استنزفت الكثير».




