بدأت إثيوبيا تزامناً مع اندلاع اضطرابات إقليم تيغراي، في 24 سبتمبر (أيلول) تحركات مع دول جوار شملت جيبوتي والصومال. وهناك مخاوف من أن تقطع التحركات المسلحة المناوئة لحكومة آبي أحمد الإمدادات القادمة من جيبوتي براً أو أن تتحرك قوى مناوئة في الصومال ضد إثيوبيا، بحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، مشيرين إلى أن تحركات آبي أحمد محاولة لتشكيل جبهة إقليمية من دول الجوار لاحتواء أي تداعيات للتصعيد الحالي.
أفراد من قوات تيغراي يقومون بدوريات مع تصاعد التوترات مع القوات الحكومية 24 سبتمبر 2026 (رويترز)
وتحد إثيوبيا جغرافياً 6 دول في منطقة القرن الأفريقي وشرق أفريقيا، من الشمال إريتريا، من الشمال الشرقي جيبوتي، ومن الشرق والجنوب الشرقي الصومال، ومن الجنوب كينيا، ومن الغرب جنوب السودان، ومن الشمال الغربي السودان.
واستولت «قوات تيغراي» على 3 مطارات في الإقليم، وشنَّت هجمات في إقليمَي عفر وأمهرة بالتعاون مع حلفاء لها هناك منذ 24 سبتمبر، في أخطر تصعيد منذ الحرب المُدمِّرة التي دارت رحاها بين عامَي 2020 و2022 ضد قوات الحكومة الاتحادية.
وأعلنت، الاثنين، جماعة مسلحة موالية للحكومة الإثيوبية، أن الجيش الإثيوبي ومسلحين متحالفين معه تمكنوا من السيطرة على بلدة ألاماتا الاستراتيجية إلى الجنوب من عاصمة تيغراي، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.
رئيس الوزراء الإثيوبي يستقبل الرئيس الصومالي (وكالة الأنباء الإثيوبية)
ومع اندلاع هجمات «جبهة تحرير تيغراي»، وصل رئيس الوزراء آبي أحمد إلى جيبوتي، حيث كان في استقباله الرئيس الجيبوتي إسماعيل عمر جيلي. وبعد 5 أيام ومع استمرار التصعيد العسكري شمالي إثيوبيا، استقبل آبي أحمد، الاثنين، الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في مطار بولي الدولي، بهدف مناقشة قضايا ثنائية وإقليمية ذات اهتمام مشترك، وفقاً لما ذكره مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي.
ويرى الخبير في الشؤون الأفريقية، مدير «مركز دراسات شرق أفريقيا» في نيروبي، الدكتور عبد الله أحمد إبراهيم، أن تحركات آبي أحمد محاولة لتثبيت شبكة علاقات إقليمية في وقت تتسع فيه تداعيات القتال في تيغراي إلى عفار ومناطق مجاورة، مع تنامي المخاوف من امتداد الأزمة خارج الحدود.
دبابة «تي 72» مدمَّرة على جانب الطريق خلال الاشتباكات بين الجيش الإثيوبي و«جبهة تحرير تيغراي» (أرشيفية – أ.ف.ب)
وتكتسب زيارة رئيس الصومال لأديس أبابا أهمية خاصة؛ إذ إن مقديشو وأديس أبابا ترتبطان بملفات أمنية وإقليمية متداخلة، بحسب إبراهيم، مشيراً إلى أنه قد يكون الهدف أيضاً تأمين الممرات الحيوية، ومنع الأزمة في تيغراي من التأثير على المصالح الاقتصادية والأمنية لإثيوبيا مع دول الجوار.
فيما يرى خبير الشؤون الأفريقية بـ«المركز القومي لدراسات الشرق الأوسط» حسين البحيري، أن التحركات الحالية لرئيس الوزراء الإثيوبي تجاه جيبوتي والصومال تعكس تقارباً سياسياً وتنسيقاً أمنياً بين هذه الدول، في محاولة من أديس أبابا لتشكيل جبهة إقليمية لمواجهة ما تعدُّه تدخلاً في شؤونها الداخلية، مع اتهاماتها لكل من إريتريا والسودان بدعم «الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي» وتأجيج الصراعات الداخلية.
نوصي بقراءة: إنقاذ 22 شخصاً إثر غرق قارب مهاجرين قبالة السواحل اللبنانية
وأشار إلى أن هذه التحركات تكتسب أهمية خاصة لتزامنها مع تصاعد المواجهات العسكرية في إقليم تيغراي، وتشكيل تحالف يضم سبعة فصائل مسلحة تهدف إلى إسقاط نظام آبي أحمد؛ مما يمنح الصراع بعداً سياسياً جديداً يتجاوز المواجهات العسكرية التقليدية بين الجبهة والحكومة الفيدرالية.
المبنى الذي يضم قناة «تيغراي تي في» وقد بدت عليه أضرار ناجمة عن ضربة بطائرة مسيّرة في ميكيلي 27 سبتمبر (أ.ف.ب)
ولا تزال دول جوار أخرى مصدر قلق في حسابات إثيوبيا مع التصعيد الحالي. والجمعة، تحدث رئيس الأركان العامة لـ«قوات الدفاع الوطني» الإثيوبية برهانو جولا، عن أن «قوى أجنبية تدعم التحالف المسلح الحديث لمحاولة زعزعة استقرار إثيوبيا وإضعافها»، مؤكداً أنه «لا تستطيع جبهة تيغراي والتحالف تحقيق أي شيء بمفردها، ما لم يتم دفعهما ودعمهما وإمدادهما من جانب السودان ومصر وقوى أخرى».
مقاتلون من «جبهة تحرير تيغراي» التي خاضت حرباً أهلية ضد الحكومة الفيدرالية (أرشيفية – أ.ف.ب)
كما أكد في تصريحات نقلها إعلام إثيوبي، مساء الجمعة، أن إريتريا، تعمل وسيطاً بين القوى الخارجية والجماعات المسلحة داخل إثيوبيا، مشيراً إلى أن جبهة تيغراي وإريتريا لا تستطيعان مواجهة الحكومة الفيدرالية بشكل مستقل.
وأفاد المستشار الإعلامي لسفارة إريتريا في القاهرة، حبيب محمد عثمان، الاثنين، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «ما تقوله أديس أبابا حالياً ادعاءات غير مقبولة ولا يقبلها الواقع؛ لأن إريتريا لم تعلن أنها تريد أن تغزو إثيوبيا، أو أي إقليم من الأقاليم الإثيوبية، أو تهديد أديس أبابا، وإنما العكس هو الموجود».
ونفى السودان في بيان للخارجية، الاثنين، «نفياً قاطعاً المزاعم الإثيوبية»، مؤكداً أنها «لا تستند إلى أي أساس أو دليل»، وشدد على أن رفض أي محاولات لإقحام الخرطوم في قضايا أو صراعات داخلية لا علاقة لها بها.
أشخاص يسيرون في ميكيلي عاصمة إقليم تيغراي وسط تصاعد القتال مع الحكومة المركزية يوم 24 سبتمبر 2026 (أ.ب)
وكذلك مصر التي لها خلافات جذرية مع إثيوبيا بشأن سد النهضة، نفت بشكل ضمني تلك «الأحاديث الإسرائيلية»، وقال متحدث الخارجية المصرية السفير نادر زكي، في بيان: «تقوم السياسة الخارجية المصرية على مبادئ ثابتة، في مقدمتها احترام سيادة الدول ووحدة وسلامة أراضيها، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى»، مضيفاً: «ومن ثم، فإن أي ادعاءات تشكك في التزام مصر بهذه المبادئ الراسخة هي والعدم سواء».
ورغم النفي المصري – الإريتري، لفت حسين البحيري إلى أن أديس أبابا ستواصل استخدام الاتهامات كفزاعة لجلب تعاطف من الشعب الإثيوبي على أن تستمر المساعي الإثيوبية الراهنة في إرسال رسائل مباشرة للداخل والخارج، عبر استمالة موقفي جيبوتي والصومال لتدعيم موقف الحكومة الفيدرالية وسياساتها لضمان التماسك والصمود في مواجهة المعارضة المسلحة.
ويعتقد عبد الله أحمد إبراهيم أن تصاعد الاتهامات الإثيوبية لدول مجاورة بدعم أطراف في الصراع يزيد حساسية المشهد ويجعل أي اصطفافات إقليمية أكثر خطورة، مشيراً إلى أن لقاءات آبي أحمد محاولة لإدارة التداعيات الإقليمية للأزمة، مع السعي إلى منع تحولها إلى صراع أوسع في القرن الأفريقي.




