لطالما كانت علاقة المنتخب الإنجليزي بصحافته المحلية علاقة معقدة ومليئة بالتوتر؛ ففي الوقت الذي تبحث فيه الجماهير عن التتويج وحصد الألقاب، تبدو الصحافة الإنجليزية في كثير من الأحيان وكأنها تبحث عن الأزمات وافتعال المشاكل داخل غرف الملابس.
في خضم منافسات كأس العالم، طفت هذه الظاهرة على السطح مجددًا، لدرجة جعلت الكثيرين يتساءلون: هل تتعمد وسائل الإعلام تدمير استقرار منتخب الأسود الثلاثة؟
القصة بدأت وانتهت عند “سؤال واحد” خبيث، تنقل به أحد الصحفيين بين المدرب واللاعبين، بهدف واحد واضح وهو شق الصف داخل منتخب إنجلترا.
عقب نهاية مباراة منتخب إنجلترا ضد النرويج في ربع النهائي، خرج المدير الفني توماس توخيل ليعبر عن عدم رضاه التام عن الأداء الفني للفريق داخل الملعب رغم الفوز.
هي تصريحات طبيعية تصدر من أي مدرب يبحث عن الكمال، لكن الصحفي التلفزيوني البريطاني جابرييل كلارك التقط هذه الكلمات وحاول تحويلها إلى أزمة طاحنة.
وجه الصحفي سؤالًا ملغومًا لتوخيل، محاولًا إيقاعه في الفخ، حيث سأله عما إذا كان هذا التراجع في الأداء يعود إلى “عقلية اللاعبين”.
كان الهدف من السؤال هو دفع المدرب لانتقاد لاعبيه علنًا، لكن توخيل أدرك اللعبة سريعًا ورد بذكاء وحزم، مؤكدًا أن عقلية اللاعبين كانت رائعة، صلبة، ونقية تمامًا، مغلقًا الباب أمام أي محاولة للتشكيك في التزام الفريق.
قد يهمك أيضًا: موقف الأهلي من عقود زيزو وإمام عاشور وتريزيجيه
لم يستسلم الصحفي لرد توخيل الدبلوماسي، بل قرر أخذ تصريح المدرب واستخدامه كسلاح ضد اللاعبين أنفسهم؛ توجه الصحفي إلى النجم جود بيلينجهام، وأخبره بشكل مباشر أن توخيل ليس سعيدًا بأدائهم.
هذا النقل المجتزأ للحديث استفز بيلينجهام، ليرد بتصريح يحمل في طياته تلميحًا بوجود فجوة في الفهم بين المدرب واللاعبين، قائلًا: “ربما توخيل لم يعش هذه التجربة وفي هذه الأجواء”.
لم يتوقف الأمر هنا، بل استمر الصحفي في جولته وتوجه بالسؤال ذاته إلى قائد إنجلترا هاري كين، الذي اختار الصراحة وأكد الواقعة قائلًا إن توخيل أخبرهم بالفعل داخل غرفة الملابس بأنه غير راضٍ عن الأداء.
اكتملت فصول هذه المسرحية الصحفية عندما تم طرح نفس السؤال الاستفزازي على اللاعب الشاب نوني مادويكي، الذي جاء رده ليعكس حالة من التمرد الكروي أو الاختلاف الواضح مع المدير الفني، حيث صرح قائلًا: “هذا رأيه، ربما لدي رأي مختلف عنه”.
هذا التصريح الأخير كان بمثابة الهدية التي يبحث عنها الإعلام الإنجليزي، فهو يثبت نجاح خطة الصحفي في استخراج تصريحات متضاربة تظهر وجود فجوة حقيقية بين أفكار توخيل وقناعات لاعبيه.
لا شك أن الصحافة الإنجليزية تمتلك تأثيرًا قويًا وتلعب دورًا محوريًا في توجيه الرأي العام، لكن ما حدث في هذه الواقعة يطرح تساؤلًا خطيرًا حول النوايا الحقيقية لبعض الإعلاميين.
إن استخدام “سؤال واحد” وتدويره بين عناصر الفريق لخلق حالة من الشك والريبة، يعكس بيئة إعلامية قد تكون هي الخصم الأول للمنتخب الإنجليزي قبل أي منافس آخر على أرض الملعب.
يبقى السؤال الأهم: هل ينجح توماس توخيل في عزل لاعبيه عن هذا السم الإعلامي، أم أن الصحافة الإنجليزية ستنجح كعادتها في كتابة نهاية حزينة لرحلة إنجلترا في كأس العالم؟




