لا تبدو أزمة الغذاء في ليبيا مجرد مشكلة مرتبطة بارتفاع الأسعار أو تراجع القدرة الشرائية؛ إذ شرعت آثارها تظهر في صحة الأطفال ونمط حياتهم اليومية، بعدما كشفت نتائج مسح حكومي حديث أن نحو نصفهم يعيشون في حالة «فقر غذائي»، فيما بدا لمراقبين أن هؤلاء الأطفال يدفعون فاتورة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية التي تراكمت على مدى سنوات الانقسام السياسي.
ولا تنفصل هذه الأزمة المعيشية عن المشهد الغارق في الفوضى منذ سقوط نظام العقيد معمر القذافي عام 2011؛ إذ تعاني البلاد انقساماً سياسياً وعسكرياً بين حكومتين؛ إحداهما حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس، والأخرى الحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد في شرق البلاد وجنوبها.
في عيادات الأسنان، يمكن للطبيب الليبي خالد الشارف أن يلمس جانباً من هذه التداعيات؛ إذ يتابع مشكلات متكررة لدى الأطفال تتعلق بصحة الأسنان واللثة، إلى جانب اضطرابات في نمو وتطور عظام الفكين.
وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، قال الشارف، وهو ناشط سياسي مهتم بالشأن العام، إن هذه المشكلات «متعددة الأسباب»، لكن «التغذية غير المتوازنة ونقص بعض العناصر الغذائية يمكن أن يكونا من العوامل المؤثرة فيها».
ولا تتوقف خطورة هذه المؤشرات، وفق الشارف، عند حدود ما يحصل عليه الطفل من طعام يومياً؛ إذ يرى أن أرقام الفقر الغذائي «قد لا تعكس فقط عجز الأسرة عن توفير الغذاء، بل تعكس آثاراً صحية قد ترافق جيلاً كاملاً». وحمَّل الأوضاع السياسية والأمنية في البلاد جانباً من المسؤولية عن هذا الواقع.
تلميذات يمارسن رياضة نطّ الحبل في ملعب مدرسة بمنطقة جنزور شرق طرابلس في 2017 (موقع اليونيسف)
وتضع الأرقام الرسمية هذه المخاوف في إطار أكثر وضوحاً؛ فبحسب نتائج مسح حكومي نشرته مصلحة الإحصاء والتعداد في طرابلس مؤخراً، بلغت نسبة الأطفال الذين يعيشون في فقر غذائي 49.9 في المائة، في حين لم تتجاوز نسبة من حصلوا على الحد الأدنى المقبول من الوجبات الغذائية 29.6 في المائة.
وتكشف تفاصيل المسح فجوة أكثر إثارة للقلق في النظام الغذائي للأطفال؛ إذ أظهرت النتائج أن نحو 40 في المائة من الأطفال بين عامين وستة أعوام لم يتناولوا البيض أو اللحوم في اليوم السابق للاستطلاع، وهي أطعمة ترتبط بتوفير البروتين والعناصر الغذائية الضرورية للنمو.
ومن زاوية اقتصادية، يرى رئيس «منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية»، خالد بوزعكوك، أن هذه النسب لا تمثل مبالغة في توصيف الواقع، بل تعكس مشكلة حقيقية، و«قد يكون الواقع أصعب بكثير» من الصورة التي تظهرها الإحصاءات.
قد يهمك أيضًا: تركيا: تلميحات لتعديل النظام الرئاسي في الدستور الجديد
وعزا المشكلة إلى ما قبل سقوط نظام القذافي، مشيراً في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «المُرتبات كانت محدودة، وسلة الغذاء غير متنوعة»، مع اعتماد أكبر على النشويات والدهون مقابل الحصول المحدود على وجبات أكثر تنوعاً وقيمة غذائية وصحية. لكن ما كان يمثل مشكلة معيشية في السابق اكتسب بعد عام 2011 أبعاداً أكثر تعقيداً؛ إذ يقول بوزعكوك إن الأزمات الأمنية والاقتصادية المتلاحقة، إلى جانب تآكل القوة الشرائية للدينار الليبي، عمّقت الضغوط الواقعة على الأسر وقدرتها على توفير غذاء متوازن لأطفالها.
وتعكس الفجوة بين دخل الأسرة وتكلفة احتياجاتها اليومية جانباً من هذه المعادلة؛ فبحسب دراسة أجراها «منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية»، تحتاج الأسرة الليبية إلى دخل شهري لا يقل عن 5 آلاف دينار لمواجهة أعباء المعيشة، في حين يبلغ متوسط الدخل نحو 1500 دينار، وفق الدراسة.
ومع كل ارتفاع في تكاليف المعيشة، تصبح مائدة الأسرة الليبية ساحة أخرى لضغوط الاقتصاد؛ إذ بلغ معدل التضخم في ليبيا 12.7 في المائة حتى نهاية يونيو (حزيران) 2026، وفق بيانات مصرف ليبيا المركزي، رغم تراجعه بنحو 1.3 نقطة مئوية مقارنة بشهر مايو (أيار).
وسبق هذه الأرقام تحذير صندوق النقد الدولي، في أبريل (نيسان) الماضي، من أن التضخم في ليبيا سيظل في خانة العشرات على المدى المتوسط، في ظل الضغوط المرتبطة بسعر الصرف.
وبالنسبة إلى بوزعكوك، فإن المشكلة لا تنتهي عند حدود ما يوضع على مائدة الطعام؛ إذ تمتد تداعيات الأزمة الاقتصادية إلى تفاصيل أخرى في حياة الأطفال، من بينها قدرتهم على المشاركة في الأنشطة المدرسية، مشيراً إلى أن بعض الأطفال، خصوصاً في أكثر الأسر احتياجاً، حُرموا من أنشطة أساسية، ومنها حصص التربية الرياضية.
ومن هنا، يرى بوزعكوك أن الفقر الغذائي يجب ألا يُقرأ باعتباره مؤشراً منفرداً، بل باعتباره جزءاً من سلسلة أوسع من الضغوط التي تواجه الأسرة الليبية، محذراً من أن استمرار الأزمات المعيشية قد يترك آثاراً طويلة الأمد على صحة الأطفال وتعليمهم واندماجهم الاجتماعي.
وتتسع الصورة عندما توضع هذه المؤشرات في سياق تكرار التحذيرات الدولية خلال سنوات سابقة؛ إذ سبق أن حذرت منظمات، من بينها برنامج الأغذية العالمي ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف)، من استمرار تحديات انعدام الأمن الغذائي والفقر وسوء التغذية في ليبيا.
وفي المقابل، لا ترى أخصائية التغذية الدكتورة هبة الشيباني أن المشكلة تكمن في ندرة الطعام داخل ليبيا؛ فهي تعتبر أن بلادها غنية و«تتمتع بتنوع غذائي جيد»، مشيرة إلى أن السنوات الخمس الأخيرة شهدت «زيادة واضحة في ثقافة التغذية»، وأنه أصبح هناك اهتمام أكبر بالصحة ونوعية الطعام وتأثيره على الجسم.
وتضع أخصائية التغذية يدها على جانب آخر من المشكلة؛ إذ تقول إن «المشكلة لا تكمن في توفر الغذاء، لكن في العادات الغذائية، وطريقة اختيار نوعية الأطعمة، وكميات الاستهلاك».
يشار إلى أن الفقر الغذائي يرتبط بقدرة الأفراد والأسر على الحصول بصورة منتظمة على غذاء كافٍ وآمن ومغذٍّ، يلبي احتياجاتهم وتفضيلاتهم الغذائية. وتُعرّف منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (فاو) هذه الحالة ضمن مفهوم «انعدام الأمن الغذائي».




