استدعت وزارة الخارجية الموريتانية، الاثنين، السفير الإيراني في نواكشوط جواد أبو علي، وأبلغته الاحتجاج على «بعض التصرفات والتحركات» التي قام بها مؤخراً، ووصفها بأنها «لا تنسجم مع الأعراف والتقاليد الدبلوماسية».
ويأتي هذا الاستدعاء بعد زيارة قام بها السفير، نهاية الأسبوع الماضي، إلى قرية بوسديره، التي تبعد 150 كيلومتراً إلى الشرق من العاصمة نواكشوط، حيث استقبله عدة أشخاص باحتفالات أطلقت فيها أعيرة نارية.
قال مصدر محلي لـ«الشرق الأوسط» إن السفير زار القرية المذكورة دون إبلاغ السلطات بتحركاته، وبالتالي فإن السلطات تفاجأت بالاحتفالات وإطلاق الأعيرة النارية، ليتم توقيف ثلاثة أشخاص، والتحقيق معهم بسبب استخدام السلاح في أماكن عامة دون ترخيص.
وأثارت زيارة السفير الإيراني إلى قرية (بوسديره) جدلاً في أوساط الموريتانيين على وسائل التواصل الاجتماعي، وأعادت النقاش حول تحركات السفير خلال الأشهر الأخيرة، وظهوره في كثير من الأنشطة والفعاليات الشعبية.
ومن أشهر الأنشطة التي ظهر فيها السفير الإيراني مأدبة إفطار خلال شهر رمضان الماضي، نظمها حزب «التجمع الوطني للإصلاح والتنمية» (تواصل)، المحسوب على جماعة الإخوان المسلمين في موريتانيا، وجرى تداول مقاطع فيديو لأعضاء في الحزب وهم يقبلون يد السفير الإيراني، ما أثار جدلاً واسعاً وانتقادات لاذعة.
بعد التحرك الأخير، أعلنت وزارة الخارجية الموريتانية استدعاء السفير الإيراني، وقالت في بيان موقع من طرف أحمد محمد الدوه، السفير ومدير الاتصال والإعلام بالوزارة، إن الهدف من الاستدعاء هو إبلاغه «احتجاجها الرسمي على بعض التصرفات والتحركات، التي لا تنسجم مع الأعراف والتقاليد الدبلوماسية، ولا مع الضوابط التي تحكم ممارسة مهام الدبلوماسيين في الدول المضيفة».
وأكد بيان الخارجية الموريتانية أن «الوزارة أكدت للدبلوماسي الإيراني أن الجمهورية الإسلامية الموريتانية؛ إذ تحرص على تطوير علاقاتها الثنائية مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية وتعزيزها، فإنها تولي في الوقت ذاته أهمية قصوى للاحترام المتبادل للسيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والالتزام الصارم بالقواعد والأعراف الدبلوماسية».
نوصي بقراءة: إيران تعدم رجلين بتهمة التجسس لحساب إسرائيل
وشددت الخارجية الموريتانية على أن «صون العلاقات الثنائية وتطويرها يُلزمان ممثلي الدول المعتمدين باحترام حدود المهام، والاختصاصات التي يحددها الإطار الدبلوماسي، والامتناع عن أي نشاط أو تحرك من شأنه تجاوز تلك الحدود، أو المساس بحسن سير العلاقات بين البلدين».
في السياق ذاته، أعربت الوزارة عن «حرصها على أن يتم الالتزام، مستقبلاً، وبشكل صارم، بالأعراف والتقاليد الدبلوماسية، وبالضوابط المنظمة لمهام البعثات الدبلوماسية، بما يضمن استمرار العلاقات بين البلدين في إطارها الطبيعي، القائم على الاحترام المتبادل والتعاون البناء».
رغم أن العلاقات بين موريتانيا وإيران تعود إلى عام 1973، خلال حكم الرئيس الموريتاني الأسبق المختار ولد داداه وشاه إيران محمد رضا بهلوي، فإنها ظلت علاقات غير مستقرة، ومرت بكثير من التذبذب، الذي وصل في كثير من الأحيان إلى القطيعة التامة.
وبعد الثورة الإيرانية واندلاع الحرب الخليجية الأولى بين إيران والعراق، قررت نواكشوط قطع جميع العلاقات مع طهران، أولاً انحيازاً للموقف العراقي، وثانياً بذريعة محاولة إيران التدخل في الشأن الداخلي الموريتاني ورعاية المعارضة.
واستمرت القطيعة لأكثر من 20 عاماً، حتى سقوط نظام الرئيس الموريتاني الأسبق معاوية ولد سيد أحمد الطايع عام 2005، ليبدأ التقارب بين نواكشوط وطهران خلال حكم الرئيس الموريتاني السابق محمد ولد عبد العزيز، الذي زار طهران عام 2010، وكان أول رئيس موريتاني يفعلها منذ عام 1978، فيما زار الرئيس الإيراني آنذاك محمود أحمدي نجاد نواكشوط عام 2011.
لكن هذا التقارب سرعان ما تحول إلى توتر بسبب أنشطة السفير الإيراني في موريتانيا، وتزايد الظهور الإعلامي لمجموعة صغيرة من الموريتانيين المتشيعين، وتكرار زياراتهم إلى طهران، بل والحديث عن فتح «حسينية» في نواكشوط، ما أثار حفيظة الشارع الموريتاني.
ووصل التوتر إلى ذروته بعد هجوم على السفارة السعودية في طهران عام 2016، حيث قررت موريتانيا خفض التمثيل الدبلوماسي الإيراني، وفي عام 2018، استُدعي السفير الإيراني أكثر من مرة بسبب نشاطات شيعية، كما صنفت موريتانيا «حزب الله» اللبناني منظمة إرهابية.




