في 2012، وعندما رحل لوران بلان عن تدريب المنتخب الفرنسي، جاء ديديه ديشامب، ليستمر 14 عامًا، ويسلّم الراية، لثالث نجوم الجيل الذهبي، زين الدين زيدان.
14 عامًا، تحولت فيها فرنسا من منتخب مأزوم يخرج من الباب الخلفي للبطولات إلى قوة كروية عظمى، وهيمنة شبه مطلقة على المشهد العالمي.
ومع تسلم زين الدين زيدان الدفة رسميًا، يطرح الشارع الرياضي سؤالًا جوهريًا: هل استلم “زيزو” بناءً مكتمل الأركان وهيئةً جاهزةً لمنصة التتويج، أم مجرد مجموعة من النجوم البارزين بدون هوية تكتيكية واضحة؟
مرّ المنتخب الفرنسي تحت قيادة ديشامب بثلاثة أجيال متعاقبة، استطاع خلالها تجديد الدماء دون أن يفقد الديوك هيبتهم أو يبتعدوا عن المربع الذهبي للمنافسات الكبرى.
في الفترة من 2012 وحتى 2016، كانت بمثابة القضاء على الفوضى، واستغلال الجيل الجديد الذي توج بكأس العالم للشباب في 2013، بقيادة بول بوجبا، نجم يوفنتوس في ذلك الوقت.
مع لاعبين مثل مامادو ساكو وبليز ماتويدي، وآخر ما تبقى من الحرس القديم، باتريس إيفرا ولوران كوسيلني، وحراسة المرمى التي تمثلت في هوجو لوريس.
بالإضافة إلى ذلك، بداية توهج أنطوان جريزمان، وسطوع نجم عثمان ديمبيلي، وصلت فرنسا إلى ربع نهائي كأس العالم 2014، ثم نهائي يورو 2016.
بدايةً من 2018، أصبحت فرنسا أكثر توحشًا، مع انفجار الظاهرة كيليان مبابي، وخبرات كانتي وجريزمان وجيرو، وقوام الفريق الرئيسي المتمثل في بوجبا وصامويل أومتيتي وفاران.
توجت فرنسا بكأس العالم 2018 في روسيا، والوصول إلى نهائي مونديال قطر، وخلال البطولتين، كان نفس الجيل تقريبًا، مع إضافات تمثلت في كينجسلي كومان وعثمان ديمبيلي من مقاعد البدلاء.
كيليان مبابي، خلال 6 سنوات، أصبح الهداف التاريخي لمنتخب فرنسا وكأس العالم أيضًا، كان كيليان هو رجل المنظومة الأول لديشامب، وهنا تكمن المعادلة.
ديشامب لم يترك لزيدان مجموعةً من اللاعبين الموهوبين فحسب، بل غرس في غرفة الملابس عقلية الانتصار والشراسة في المباريات الإقصائية.
نوصي بقراءة: إسبانيا تختار القميص الأبيض في مواجهة فرنسا بكأس العالم
تمتلك فرنسا حاليًا دكة بدلاء توازي قوة التشكيل الأساسي. في كل مركز يوجد على الأقل لاعبان ينشطان في أندية الصف الأول الأوروبي.
البنية التحتية لمنتخب فرنسا حاليًا تُعد الأقوى عالميًا من حيث السرعة، والارتداد الدفاعي، والصلابة البدنية، ولكن كل هذا لا يظهر في أغلب المباريات الكبرى لديشامب.
المدرب الفرنسي فشل في الفوز بأي بطولة باستثناء كأس العالم 2018 ودوري الأمم الأوروبية 2021، ولكنه خسر العديد من المباريات أمام الفرق الكبرى.
تُعاب فترة ديشامب الأخيرة بالاعتماد المفرط على الحلول الفردية (عبقرية مبابي وحلول جريزمان) دون بناء منظومة هجومية ممتعة، ومع اعتزال أنطوان، وجد الفريق فراغًا أكبر، رغم إبداعات أوليز وديمبيلي ودوي، لكن لا يوجد لاعب يقوم بنفس الأدوار التكتيكية لجريزمان.
واجه ديشامب انتقادات دائمًا بسبب إفراط قناعته بالواقعية والتراجع الدفاعي، رغم امتلاكه عناصر هجومية خارقة، وهو ما يجعلنا ندرك تمامًا بأن هذا الفريق كان يعمل بنصف طاقته الإبداعية.
استلم زيدان تشكيلةً تُصنف بأنها الأقوى والأكثر توازنًا في العالم على مستوى الأعمار والخبرات، ما بين حراسة المرمى التي تتمثل في مايك ماينان.
خط الدفاع بخبرات وحيوية أوباميكانو وساليبا وكوناتي، مع كوندي وثيو، ووسط ملعب يعرفه زيزو يتمثل في كامافينجا وتشواميني ومانو كوني.
الهجوم الناري الذي يحتاجه زيدان سيكون مناسبًا تمامًا لطريقة لعب 4-3-3 التي يحبها زيزو، خاصةً وأنه يمتلك قدرةً استثنائيةً على منح اللاعبين الحرية الهجومية مع الحفاظ على التوازن (كما فعل مع ريال مدريد)، مما سيتحول بالديوك من التكتل والتحولات إلى الاستحواذ والسيطرة وتفكيك التكتلات.
التحدي الأكبر في فرنسا كان دائمًا السيطرة على النجوم. لا يوجد مدرب في العالم يملك كاريزما وهيبة زيدان لكسب احترام وتضحية لاعب مثل مبابي وبقية نجوم الجيل الحالي.
تحويل ثنائية تشواميني وكامافينجا وزاير-يمري من مجرد محركات بدنية إلى خط وسط قادر على التمرير الخلاق والتحكم في ريتم المباريات الكبرى.
إذا كان ديديه ديشامب هو المهندس الذي بنى المصنع وأعاد لفرنسا شخصيتها وهيبتها القارية والعالمية خلال 14 عامًا، فإن زين الدين زيدان هو الساحر الذي يملك المفتاح لتحويل هذه “الماكينة الصلبة” إلى تحفة كروية ممتعة، وتحقيق الألقاب التي فشل في تحقيقها ديديه.




