الرئيسيةالوطن العربيالسعوديةمسرح العرائس في السعودية... فن يستعيد جمهوره

مسرح العرائس في السعودية… فن يستعيد جمهوره

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

يتجه فن مسرح العرائس إلى توسيع حضوره، مستفيداً من الحراك الثقافي الذي تشهده السعودية، في وقت تتجه فيه الأنظار إلى هذا الفن بوصفه تجربة تجمع بين الترفيه والفنون الأدائية. وعلى الرغم من هيمنة العالم الرقمي، والمنافسة التي تفرضها الشاشات والألعاب على طفولة اليوم، فإن الدمية لا تزال قادرة على خطف انتباه الأطفال عندما تتحرك فوق خشبة المسرح، في مؤشر يراه المتخصصون بداية مرحلة جديدة لفن يسعى إلى استعادة مكانته، بوصفه تجربة إنسانية لا تستطيع التقنيات الحديثة محاكاتها، إذ يصبح الطفل جزءاً من العرض، لا مجرد متلقٍ.

وأكد محمد الحوبي، رئيس نادي الطرف المسرحي والمتخصص في مجال مسرح العرائس، لـ«الشرق الأوسط»، أن العرائس ليست مجرد مجسمات، بل أدوات تنبض بالحياة، وتخاطب خيال الإنسان، وقال: «يجمع هذا الفن بين التشكيل، والأداء الصوتي، والسينوغرافيا في تجربة واحدة». وأضاف أن الطفل هو الجمهور الأول الذي اختاره منذ بداية رحلته في هذا المجال، موضحاً: «الأطفال هم الأكثر صدقاً، ولا يجاملون الفنان، فإذا استطعت أن تكسب انتباه الطفل، فقد نجحت مسرحياً». ويرى أن خيال الطفل المنفتح يمنح صناع العروض مساحة واسعة للابتكار والتجريب.

جانب من دُمى اليد التي تستخدم في فن مسرح العرائس (نادي الطرف المسرحي)

خلف الدقائق التي يقضيها الطفل أمام العرض، تقف رحلة طويلة من العمل، تبدأ بكتابة النص، ثم تصميم العروسة وصناعتها، واختيار خاماتها وألوانها، قبل أن تتحول إلى شخصية نابضة بالحياة على خشبة المسرح من خلال التحريك والأداء. ويشير الحوبي إلى أن «كتابة النصوص الموجهة للأطفال تعتمد على البساطة، وتقديم الرسائل غير المباشرة، بعيداً عن الوعظ والتلقين، كما يأتي تصميم شخصية العروسة من فهم نفسية الطفل، بحيث تحمل صفات قريبة منه، مثل الفضول والمرح، بما يساعد على بناء علاقة وجدانية بين الطفل والشخصية المسرحية».

وتنوعت تجارب الحوبي بين صناعة دمى الجوارب والدمى اليدوية، وخيال الظل، مع توظيف خامات بسيطة مستوحاة من البيئة المحلية، في محاولة لربط هذا الفن بالهوية السعودية، وإبراز مفردات التراث في العروض المسرحية.

يرفض محمد الحوبي النظر إلى التكنولوجيا بوصفها تهديداً لمسرح العرائس، ويرى أنها منحت هذا الفن أدوات جديدة لتطوير عروضه والارتقاء بجودتها. ويقول: «أسهمت المؤثرات الضوئية والصوتية، إلى جانب التقنيات البصرية الحديثة، في إثراء التجربة المسرحية، وتعزيز حركة العرائس، وإضفاء مزيد من الحيوية والإبهار على المشهد».

اقرأ ايضا: السعودية وكينيا تعقدان أول اجتماع للجنة المشاورات السياسية

ويهدف توظيف هذه التقنيات إلى خدمة العرض وتعزيز عناصره الفنية، بما يجعل تجربة الطفل أكثر تفاعلاً وانغماساً في تفاصيل الحكاية، مع الحفاظ على روح المسرح القائمة على الأداء الحي.

جانب من أحد عروض مسرح العرائس (نادي الطرف المسرحي)

استقطبت عروض ومهرجانات مسرح العرائس خلال السنوات الأخيرة أعداداً كثيرة من الأطفال والعائلات، وهو ما يعد مؤشراً على وجود جمهور متعطش لهذا النوع من الفنون. ومن أبرز المحطات التي شارك فيها نادي الطرف المسرحي مهرجان مسرح الطفل في القصيم، من خلال عرض «في أعماق البحر»، الذي قُدم لاحقاً في الرياض، إلى جانب تنظيم ورش تدريبية في عدد من المناطق، من بينها الجوف، والمشاركة في تجهيز دمى مسرحية «أطفال المداخن»، بالإضافة إلى تقديم عروض مثل «الهدية الغامضة»، و«كل ما أعطيت زاد خيري»، ومسرحية «طرفة»، بدعم من هيئة المسرح والفنون الأدائية التابعة لوزارة الثقافة. كما يُعد إطلاق مهرجان «فن خيال»، أول مهرجان متخصص بمسرح العرائس للطفل والعائلة في السعودية، من أبرز المبادرات التي أسهمت في توسيع حضور هذا الفن.

ويأتي ذلك بالتزامن مع تنامي التقدير للمبادرات والأسماء التي أسهمت في تطويره، ومن بينها محمد الحوبي، الذي وصفه الأكاديمي الدكتور سامي الجمعان بأنه «رائد مسرح العرائس في المملكة»، وهو لقب يقول إنه يحمّله مسؤولية تجاه هذا الفن.

وعلى الرغم من تنامي الاهتمام، يرى الحوبي أن مستقبل مسرح العرائس لا يزال مرتبطاً ببناء منظومة مستدامة تتجاوز المواسم والفعاليات المؤقتة. ويعتقد أن ذلك يتطلب تحويل الفرق المسرحية إلى كيانات تقدم عروضاً منتظمة، إلى جانب إطلاق برامج تدريبية مستمرة لتأهيل جيل جديد من صناع الدمى، ومحركيها، وكتاب النصوص.

ويعمل الحوبي حالياً على تطوير عروض جديدة، بالتوازي مع التحضير لمهرجانات وورش متخصصة، في حين يتمثل طموحه الأكبر في إنشاء مسارح متخصصة لفن العرائس في مختلف مناطق السعودية، إلى جانب تأسيس أكاديميات أو حاضنات تدريبية تضمن استدامة هذا الفن، وتمهد لتصدير التجربة السعودية إلى المحافل الدولية.

ومع اتساع المشهد الثقافي السعودي، وما يشهده من استثمارات في الفنون الأدائية، تبدو الفرصة مواتية أمام مسرح العرائس للانتقال إلى فضاء أكثر استدامة وتنظيماً. ويواصل هذا الفن استقطاب الأطفال والعائلات، مستنداً إلى قدرته على الجمع بين المتعة والمعرفة، وتحفيز الخيال، وصناعة تجربة إنسانية لا تزال تحتفظ بسحرها، مهما تغيرت وسائل الترفيه وتطورت أدواتها.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
مقالات ذات صلة
- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

الأكثر شهرة

الأكثر شهرة

- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

احدث التعليقات

John Doe على TieLabs White T-shirt