تتزايد المخاوف في ليبيا من احتمال مطالبة أطراف أميركية بتعويضات جديدة في قضية تفجير طائرة «بان آم 103» فوق بلدة لوكربي الاسكوتلندية عام 1988، بعد دخول محاكمة أبو عجيلة مسعود المريمي، الضابط السابق بجهاز الأمن الخارجي الليبي، منعطفاً حرجاً، إثر سماح قاضية اتحادية أميركية باستخدام إفادة منسوبة إليه، تعود إلى عام 2012 كدليل أمام هيئة المحلفين.
وكانت القاضية الأميركية دابني فريدريش قد رفضت طلب فريق الدفاع استبعاد الإفادة، التي يقول محامو المريمي إنها «كاذبة وانتُزعت منه تحت الإكراه قبل 14 عاماً».
أبو عجيلة المريمي ضابط الاستخبارات الليبية السابق (أرشيفية – رويترز)
ووفق ما أوردته هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، تتضمن الوثيقة إفادة خطية قال فيها المريمي، خلال استجوابه من جانب ضابط شرطة ليبي، إنه شارك في تجهيز القنبلة التي دمرت الطائرة، بتعاون مع عناصر في الاستخبارات الليبية.
وحذر رئيس فريق الدفاع الليبي عن أبو عجيلة المريمي، محمد بن دردف، من أن استمرار صمت الدولة الليبية، وعدم تحركها في هذه القضية، قد يحمّلها أعباء مالية كبيرة مستقبلاً، في حال لجوء أهالي ضحايا «لوكربي» إلى المطالبة بتعويضات جديدة.
وقال بن دردف لـ«الشرق الأوسط» إن عدم تعامل السلطات الليبية مع تداعيات القضية بصورة قانونية وسياسية قد يفتح الباب أمام مطالبات مالية، موضحاً أن تطور القضية إلى مسارات قضائية أخرى يمكن أن يفرض التزامات على الدولة الليبية. ودعا إلى التحرك مبكراً لحماية المصالح الليبية، وتجنب انتقال القضية من محاكمة شخص متهم إلى تداعيات أوسع تمس الدولة الليبية وأصولها.
وتعود الإفادة التي يستند إليها الادعاء الأميركي إلى مقابلة أجريت مع المريمي في ليبيا عام 2012 بعد سقوط نظام معمر القذافي. وقال الادعاء الأميركي إن المريمي أقر خلالها بدوره في تصنيع القنبلة، وتسليمها إلى عبد الباسط المقرحي ولمين فحيمة في مالطا، فيما ينفي المتهم صحة الاعتراف، ويؤكد أنه أدلى به تحت الضغط.
وتفيد المعلومات المتاحة بأن ضابط الشرطة الليبي الذي أُشير إليه باسم «جمال» احتفظ بالوثيقة الخطية، قبل أن تصل نسخة منها لاحقاً إلى السلطات الاسكوتلندية ثم الأميركية.
ومن المقرر أن تبدأ محاكمة المريمي أمام محكمة اتحادية في واشنطن في وقت لاحق في أغسطس (آب) الحالي، بعدما أصبح في حوزة السلطات الأميركية منذ عام 2022، إثر تسليمه من ليبيا. ويواجه اتهاماً يتعلق بتدمير طائرة «بان آم 103»، والتسبب في وفاة ركابها، وهي الجريمة التي أودت بحياة 270 شخصاً، بينهم 259 كانوا على متن الطائرة، و11 شخصاً على الأرض في لوكربي.
نوصي بقراءة: موريتانيا: الحزب الحاكم يرفض «خطاب الكراهية» في السياسة
وفي ضوء التطورات الأخيرة، لم يستبعد بن دردف أن تمتد التداعيات، في حال صدور أحكام قضائية لاحقة، إلى أصول أو أرصدة ليبية في الولايات المتحدة. وشدد على أن التعامل مع القضية لا ينبغي أن يقتصر على الجانب الجنائي المتعلق بالمريمي، بل يتعين أن يأخذ في الاعتبار انعكاساتها القانونية والمالية والسياسية المحتملة على الدولة الليبية.
وكان المريمي، الذي ينفي التهم الموجهة إليه، قد قال قبل عامين إن الإفادة التي تستند إليها السلطات الأميركية لا تعكس حقيقة ما حدث، وإنه أُجبر على ترديد معلومات تحت التهديد بإيذاء أفراد أسرته. ويأتي ذلك في وقت يراهن فيه الادعاء على الإفادة باعتبارها دليلاً مهماً، بينما يسعى الدفاع إلى التشكيك في ظروف الحصول عليها ومصداقيتها.
ويرى الكاتب الليبي مصطفى الفيتوري أن قبول المحكمة استخدام الإفادة المنسوبة إلى المريمي «ضيّق مساحة المناورة» أمام فريق الدفاع، لافتاً إلى أن اطلاع هيئة المحلفين على الوثيقة قد يؤثر في تقييمها للقضية، خصوصاً أن الدفاع دفع منذ أشهر بأنها انتُزعت تحت التهديد وطالب باستبعادها من الأدلة.
ويحذر الفيتوري في منشور عبر «فيسبوك» من أن إدانة المريمي، باعتباره ضابطاً سابقاً في الاستخبارات الليبية، قد تفتح الباب أمام أسئلة تتجاوز مسؤوليته الشخصية، إذا اعتبرت مشاركته المزعومة جزءاً من عمل أوسع نفذته أجهزة الدولة آنذاك. ومن شأن هذا السيناريو، بحسبه، إعادة طرح ملف مسؤولية ليبيا عن أعمال أجهزتها السابقة، وما قد يترتب على ذلك من مسارات قانونية ومالية جديدة.
ويقول الفيتوري إن إعادة فتح هذا الملف على نطاق أوسع قد يضع ليبيا أمام ضغوط أميركية جديدة، خصوصاً إذا جرى الربط بين المسؤولية الجنائية الفردية والمسؤولية الأوسع للدولة. وحذر من أن غياب تحرك رسمي ليبي مبكر للدفاع عن مصالح الدولة قد يترك طرابلس أمام مساحة أضيق للتعامل مع أي مطالبات، أو إجراءات قد تظهر لاحقاً في قضية ظلت لعقود واحدة من أكثر الملفات حساسية في العلاقات الليبية – الغربية.
الرئيس الراحل معمر القذافي (أرشيفية – رويترز)
وسبق لنظام الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي أن أبرم اتفاقاً مع واشنطن لإنهاء ملف القضية نهائياً، عقب دفع ليبيا تعويضات للضحايا، بما يغلق الباب أمام أي مطالبات جديدة، تتعلق بأفعال ارتكبها أي من الطرفين بحق الآخر قبل 30 يونيو (حزيران) 2006. وبعد عامين، أقرّ الكونغرس الأميركي تشريعاً يقضي بحماية الممتلكات الليبية والأفراد الليبيين المعنيين من الحجز أو الخضوع لأي إجراءات قضائية أخرى.
كما وقّع الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش مرسوماً يقضي بالتزام بلاده بإغلاق أي قضايا لا تزال منظورة أمام المحاكم المحلية أو الأجنبية، كانت قد رفعتها عائلات ضحايا القضية.
واستناداً إلى هذه المعطيات، يرى الناشط الحقوقي هشام الحاراتي أن ملف التعويضات أُغلق بصورة نهائية منذ أكثر من 18 عاماً، بعد صرف التعويضات المقررة للضحايا. وخلص في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن أي محاولة لإعادة فتح الملف، أو المطالبة بتعويضات جديدة، تمثل، حسبه، «انحرافاً عن الاتفاق الليبي – الأميركي».




