كان لافتاً دخول الجيش المالي (الثلاثاء)، إلى مدينة كيدال، أقصى شمال شرقي البلاد، دون أي قتالٍ وذلك بعد ستة أشهر من سقوطها في يد المتمردين الطوارق، لتبقى المدينة هي عنوان الحرب المشتعلة في هذه الدولة منذ أكثر من 15 عاماً.
وأعلنت الحكومة المالية الانتقالية، أن وحدات الجيش «عززت مواقعها في كيدال»، بعد ساعات من انسحاب «جبهة تحرير أزواد»، وجاء في بيان وقعه وزير الإدارة الإقليمية والمتحدث باسم الحكومة الجنرال عيسى عثمان كوليبالي، أن القوات المسلحة، «بدعم من شركائها الروس»، تواصل «تعزيز وتثبيت وجودها» في الإقليم، وأن هذا التطور جاء «إثر عمليات جوية برية مكثفة» ضد «تحالف الجماعات الإرهابية».
يستقل متمردون طوارق تابعون لـ«جبهة تحرير أزواد» شاحنات صغيرة في كيدال – في 25 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
كما أعلنت هيئة الأركان، في بيان منفصل، أن العمليات الجوية البرية «حيّدت عدة إرهابيين ودمرت مركبات ومستودعات لوجستية». وقالت إنها تهدف إلى «تأمين الحدود ووضع حد للاقتصاد الإجرامي» للجماعات المسلحة، وإن عمليات موازية جرت في قطاعي تمبكتو وسوفارا بمسرح الوسط. وكان ضابطان ماليان قد أكدا لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» أن قافلة غادرت أنيفيس ودخلت كيدال قبيل الواحدة ظهراً «من دون أي مقاومة»،
في غضون ذلك، أعلنت جبهة تحرير أزواد (المتمردين) قبل ذلك «انسحاباً استراتيجياً ومضبوطاً» وصفته بإجراء مؤقت «للحفاظ على قدراتها البشرية واللوجستية»، متهمة الجيش و«الفيلق الأفريقي» الروسي بقصف جوي «غير متناسب».
يسيطر المتمردون الطوارق على مدينة كيدال منذ هجمات 25 أبريل (نيسان) الماضي التي نفذتها (جبهة تحرير أزواد) بالتحالف مع (جماعة نصرة الإسلام والمسلمين) الموالية لتنظيم القاعدة، وتكبد فيها الجيش المالي خسائر فادحة، تمثلت في مقتل وزير الدفاع ساديو كامارا، وفقدان السيطرة على مدينة كيدال.
وقال محفوظ ولد السالك، وهو صحافي مختص في الشؤون الأفريقية، إن «الجيش المالي يبدو أنه كان مستعداً لعملية الثلاثاء الجوية والبرية لاسترجاع المدينة، لكن كان من اللافت أن هذا الاستعداد الهجومي لم يقابله استعداد دفاعي من جبهة تحرير أزواد»، مشيراً إلى أن «أسباباً داخلية وخارجية دفعتها إلى الانسحاب دون قتال».
مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» في بلدة كيدال الاستراتيجية التي تقع تحت سيطرة الجبهة (أ.ف.ب)
تصفح أيضًا: سلطات تيغراي المتمردة تتهم حكومة إثيوبيا بضرب عاصمة الإقليم بمسيّرة
وأوضح ولد السالك في حديث مع «الشرق الأوسط» أن انسحاب المتمردين يمكنُ أن يُقرأ من زاويتين؛ أولاهما العلاقة بين (الجبهة) وحليفتها (النصرة)، فهو يرى أن الطرفين «لم ينسقا في هذه الجولة»، وأن ذلك «يؤشر إما على انتهاء التحالف الذي حصل في الخامس والعشرين من أبريل، أو على تباين الرؤى بشأن مدى أهمية احتفاظ الجبهة بالسيطرة على المدينة»، مشيراً إلى أن «نصرة الإسلام والمسلمين تستخدم عادة أسلوب الهجمات الخاطفة لا السيطرة المستمرة، والجبهة تميل إلى أسلوب السيطرة على المدن».
ولا يمكنُ عزلُ ما يجري في دولة مالي عن التدخلات الخارجية، حيث يؤكد ولد السالك أن السلطات المالية «كثيراً ما اتهمت» الجبهة بتلقي دعم جزائري، مشيراً إلى أن الجزائر «عززت مؤخراً علاقاتها مع مالي بعد فترة من التوتر والجفاء».
وبالفعل بدأ هذا التقارب وأُعلن الانفراج رسمياً في 10 يوليو (تموز) بعودة السفيرين وإعادة فتح المجال الجوي بين البلدين بعد 15 شهراً من الأزمة التي أشعلها إسقاط مسيّرة مالية قرب الحدود مع الجزائر، ثم استقبل الرئيس عبد المجيد تبون رئيس الوزراء المالي عبد الله مايغا في 24 أغسطس (آب) الماضي.
شارع في العاصمة المالية باماكو عقب تجدد الاشتباكات بين الجيش وتحالف المتمردين الطوارق ومتشددين يوم 26 أبريل الماضي (أ.ف.ب)
كما يشير الصحافي المختص في الشؤون الأفريقية إلى أن أوكرانيا، التي دعمت المتمردين الطوارق في معارك سابقة، «تبدو منشغلة الآن بشؤونها الداخلية»، فيما يلفتُ إلى أن بيان هيئة الأركان ذكر «الشركاء الروس» صراحة، بعدما كانت البيانات السابقة تكتفي بكلمة «الشركاء»، مشيراً إلى أن هذه أول مرة يُذكر فيها الدور الروسي بهذا الوضوح. ويرى في ذلك «بعداً رمزياً يتعلق بإبراز الدور الروسي في الانتصار المحقق».
وفيما يحتدم الصراع حول مدينة كيدال، المتأرجحة ما بين السلطة والمتمردين، كان أغلب سكانها قد فروا نحو الجزائر والنيجر، في عام 2023 حين استعادها الجيش المالي، ثم في أبريل الماضي حين سيطر عليها المتمردون، وأمس حين دخلها الجيش والقوات الروسية.
مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» في بلدة كيدال الاستراتيجية التي تقع تحت سيطرة الجبهة (أ.ف.ب)
وتوقع ولد السالك أن تستمر «نصرة الإسلام والمسلمين» في شن هجمات خاطفة بين الفينة والأخرى، والضغط على الإمداد بالوقود والمواد الغذائية، وذلك بوصفه «ضغطاً على السلطات المالية».
أما جبهة تحرير أزواد فيصف مرحلتها المقبلة بأنها «ضبابية»، ما دامت تستمد قوتها «من التحالف مع نصرة الإسلام ومن تلقي الدعم والسند الخارجي»، إلا أنها في الوقت ذاته قد تنقل حربها إلى تينزاواتين كما حصل في يوليو 2024، وهو ما يعتقد ولد السالك أنه «يُنذرُ بموجات نزوح جديدة».




