الرئيسيةالرياضةما قصة سبتة التي أشعلت الجدل في الدوري الإسباني؟

ما قصة سبتة التي أشعلت الجدل في الدوري الإسباني؟

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

لم تبدأ قصة سبتة داخل ملعب كرة قدم، لكنها وصلت إليه بعدما تحولت المدينة الصغيرة الواقعة في شمال إفريقيا إلى محور أزمة هجرة وجدل سياسي كبير بين إسبانيا والمغرب.

مع ظهور قمصان تحمل عبارة “Todos somos caballas” قبل مباريات في الدوري الإسباني، دخلت كرة القدم على خط قضية تتجاوز حدود المستطيل الأخضر بكثير.

تقع سبتة عند مدخل البحر المتوسط على مضيق جبل طارق، وتبلغ مساحتها نحو 20 كيلومترًا مربعًا، وتتمتع منذ عام 1995 بوضع مدينة ذاتية الحكم تابعة لإسبانيا.

لكن موقعها هو أول مفاتيح القصة؛ فهي جغرافيًا في شمال أفريقيا ومحاطة بالأراضي المغربية من ثلاث جهات، بينما تفصلها عن إسبانيا مياه مضيق جبل طارق.

منذ عام 1995 تتمتع سبتة بوضع “مدينة ذاتية الحكم” داخل الدولة الإسبانية، كما أنها جزء من الاتحاد الأوروبي، لكنها لا تدخل ضمن منطقة شنجن أو الاتحاد الجمركي الأوروبي بالطريقة نفسها التي تنطبق على معظم الأراضي الإسبانية.

أما تاريخ المدينة فهو أحد أسباب حساسية القضية؛ سيطرت البرتغال على سبتة عام 1415، ثم انتقلت إلى السيادة الإسبانية عام 1580، وبقيت مرتبطة بالتاج الإسباني بعد استقلال البرتغال عام 1640.

في عام 1668 ثُبّت الوضع رسميًا بموجب معاهدة لشبونة، وفي المقابل، لا تعترف الرباط بالسيادة الإسبانية على سبتة وتعتبرها ضمن الأراضي التي ينبغي أن تعود إلى المغرب، بينما تتعامل إسبانيا معها باعتبارها جزءًا من أراضيها.

هنا تظهر أكثر نقاط القضية حساسية.

تعتبر إسبانيا سبتة جزءًا من أراضيها، وتؤكد حكومتها أن المدينة إسبانية منذ قرون، بينما لا يعترف المغرب بالسيادة الإسبانية على سبتة ومليلية ويتمسك بموقفه بأن المدينتين تقعان ضمن المجال الترابي المغربي.

هذا الخلاف ليس جديدًا، إذ يعود إلى فترة استقلال المغرب وما تلاها، واستمر ظهوره في محطات سياسية مختلفة بين الرباط ومدريد.

كما كانت زيارة ملك إسبانيا السابق خوان كارلوس إلى سبتة عام 2007 واحدة من الوقائع التي أثارت غضب المغرب وأعادت قضية السيادة إلى الواجهة.

أما إسبانيا، فتتمسك بموقف معاكس تمامًا، وقد أكد رئيس الحكومة بيدرو سانشيز في سبتمبر 2026 أن حكومته لن تتخلى عن سيادتها على سبتة ومليلية.

وراء لقب كاباياس قصة تعود إلى القرن التاسع عشر، وترتبط بعلاقة سبتة القديمة بالبحر والصيد.

فـCaballa هي كلمة إسبانية تعني سمكة الماكريل، وكانت هذه الأسماك وفيرة في المياه المحيطة بسبتة، حتى ارتبط اسمها بالصيادين والقوارب القادمة من المدينة.

كانت سفن الصيد في منطقة مضيق جبل طارق، عند رؤية القوارب القادمة من سبتة، تشير إليها بعبارة تعني “ها هم الكاباياس”، في إشارة إلى الصيادين الذين اشتهرت مدينتهم بصيد الماكريل.

مع مرور الوقت، انتقل اللقب من الصيادين إلى سكان سبتة عمومًا، وأصبح كاباياس أحد أشهر الألقاب التي يُعرف بها أهل المدينة، حتى اعترفت به الأكاديمية الملكية الإسبانية كلقب لسكان سبتة.

نوصي بقراءة: فتح باب الترشح لرئاسة الاتحاد السعودي لكرة القدم

هنا جاءت الشرارة الأحدث؛ ففي أواخر يوليو 2026 شهدت الحدود مع سبتة واحدة من أكبر موجات العبور الجماعي التي عرفتها المنطقة، بعدما حاول أكثر من 70 ألف شخص الوصول إلى المدينة من المغرب، عبر السباحة أو تجاوز الحواجز الحدودية.

تقول تقارير دولية إن كثيرًا من المشاركين تحركوا تحت تأثير شائعات ومعلومات مضللة حول إمكانية عبور الحدود، بينما كانت هناك أيضًا عوامل اقتصادية واجتماعية دفعت أشخاصًا إلى محاولة الوصول إلى الأراضي الإسبانية.

تسببت الأزمة في خسائر بشرية كبيرة؛ إذ تحدثت السلطات عن عشرات الوفيات، بينما قدرت منظمات حقوقية عدد الضحايا بأرقام أعلى.

كما بقي آلاف المهاجرين في سبتة لأسابيع بعد موجة العبور، ما وضع المدينة أمام أزمة إنسانية وضغط كبير على قدرتها الاستيعابية.

لكن هل كانت المغرب وراء ما حدث؟ هنا يجب التوقف عند نقطة مهمة.. فقد اتهمت أطراف سياسية إسبانية السلطات المغربية بالتساهل أو التورط في موجة العبور، خصوصًا بعد ظهور وثائق استخباراتية إسبانية قالت إن أجهزة الأمن كانت قد حذرت من استعدادات لعبور جماعي.

في المقابل، نفت الرباط أي مسؤولية عن تنظيم أو تسهيل العبور، وقالت إن الاتهامات الموجهة إليها لا تستند إلى أدلة تثبت تورط السلطات المغربية؛ كما نفى رئيس الوزراء الإسباني وجود دليل على أن المغرب دبّر العملية.

في الوقت نفسه، أقر بيدرو سانشيز بأن المغرب لعب دورًا أساسيًا في إدارة تدفقات الهجرة، وقال إن المرحلة الأولى من الأزمة شهدت سماح قوات الدرك المغربية بعبور أشخاص خلال فترة استمرت نحو عشر ساعات، قبل أن تعود السلطات المغربية إلى السيطرة على الحدود ومنع المزيد من عمليات العبور.

بالتالي، فإن تحميل المغرب مسؤولية تدبير الأزمة باعتبارها حقيقة محسومة سيكون سابقًا لأوانه، بينما يبقى دوره في ضبط الحدود جزءًا أساسيًا من المشهد.

وسط هذا المشهد المعقد، قررت كرة القدم الإسبانية أن تدخل بصورة رمزية؛ قبل مباراة ريال مدريد وإلتشي، ظهر لاعبو الفريقين وهم يحملون قمصانًا بيضاء تحمل عبارة «Todos somos caballas»، أي “كلنا كاباياس”، في إشارة إلى اللقب الذي يُطلق على سكان سبتة، باعتبارها رسالة تضامن مع المدينة وسكانها في أعقاب الأزمة.

كما أعلن ريال مدريد دعمه للمبادرة، مع تأكيد احترامه لقرار كل لاعب بشأن إظهار الرسالة.

لكن المشهد لم يمر بهدوء.. فقد ظهر كيليان مبابي وفينيسيوس جونيور بالقميص من دون إظهار العبارة بوضوح، بينما حمله إبراهيما كوناتي بطريقة لم تُظهر الرسالة كاملة.

تحولت اللقطة سريعًا إلى جدل واسع، خصوصًا بعدما أصبحت المبادرة مرتبطة بالنقاش الأوسع حول الهجرة والعلاقة بين إسبانيا والمغرب.

لم يكن ريال مدريد النادي الوحيد الذي دخل في القصة؛ فقد شاركت أندية أخرى في المبادرة، بينما اختار برشلونة عدم المشاركة في إحدى المباريات السابقة.

كما ارتدى المغربي عبد الصمد الزلزولي، لاعب ريال بيتيس، القميص خلال مباراة فريقه، وقال لاحقًا إن مشاركته كانت مرتبطة بالتضامن الاجتماعي وليست موقفًا سياسيًا.

هكذا أصبحت سبتة فجأة حاضرة في كرة القدم الإسبانية، ليس بسبب مباراة أو لاعب، وإنما بسبب قضية تتداخل فيها الجغرافيا والتاريخ والهجرة والسياسة.

بينما ترى إسبانيا سبتة مدينة ذاتية الحكم تابعة لها، تتمسك المغرب بموقف مختلف تجاه وضعها، في حين تبقى مسؤولية أزمة العبور الجماعي الأخيرة محل جدل ونقاش، خصوصًا مع نفي الرباط أي دور لها.

لم تبدأ أزمة سبتة مع مبابي أو فينيسيوس، ولم تبدأ حتى مع قمصان “كلنا كاباياس”؛ القصة أقدم بكثير، وتتشابك فيها حدود جغرافية، وتاريخ طويل، وخلاف حول السيادة، لتكشف الواقعة كيف يمكن لكرة القدم أن تقترب أحيانًا من ملفات تتجاوز حدود المستطيل الأخضر بكثير.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

الأكثر شهرة

- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

احدث التعليقات