بغداد صيف 2010. بعد ساعات من الاستجواب لا يزال المتهم بقضية اختلاس متماسكاً. يضع ساقاً على ساق. ينتظر النهاية حتى يغادر، فيما المحقق في حيرة.
سأل المتهم: «متى ينتهي كل هذا؟». رد المحقق: «عندما تجيب عن كل الأسئلة».
المحقق مدقق مالي مخضرم، يحسب نفسه قادراً على إدانة «مختلس محاصر بالأدلة». وكانت السرقات يومها تنبت مثل «ورد النيل»؛ عشبة ضارة تبدأ بقعةً صغيرة، لا تلبث أن تغطي النهر كله.
ضغط المحقق بالأسئلة، عرض أدلة على الطاولة، وقال المتهم: «عزيزي… لماذا تتعب نفسك؟ لدي مليون دولار احتياطياً لإخراجي من هذه الغرفة».
قال المحقق: «لا أقبل الرشوة». رد المتهم مندهشاً: «من قال إنها لك؟».
ساد صمت لدقائق. وقال المتهم: «استرح عزيزي».
انتهى الاستجواب.
يقول المحقق الذي تقاعد عام 2012، إن «القضية لا تزال مفتوحة»، ويأمل اليوم أن تفضي حملة اعتقالات بدأت منتصف يونيو (حزيران) الماضي، وطالت مسؤولين وسياسيين، إلى مصير مختلف.
لم يكن ذلك الاستجواب سوى نافذة على منظومة معقدة بمليارات الدولارات. تبين أن «مليون دولار» ليس مخصصاً لحماية أفراد، بل كيانات ظِل طورت نفسها، وباتت جزءاً مما يسميه مسؤول سابق «كتاب العراق الأسود».
على مدى سنوات، أنشأت أحزاب عراقية، ومعها فصائل مسلحة موالية لإيران، ما يعرف بـ«المكاتب الاقتصادية»، وظيفتها ابتلاع حصة من ريع النفط، تنقلها عقود وعمولات إلى محافِظ مالية غير رسمية. كان تجريمها قانونياً صعباً، ويُخشى من دفع ثمنها السياسي.
للمرة الأولى، يكشف تحقيق «الشرق الأوسط» عن خوارزمية «المكاتب الاقتصادية»، ينسج خيوطها أشخاص بمواصفات خاصة، وتنمو من حولهم خلايا من موظفين، وجيش مقاولين ورجال أعمال، داخل العراق وخارجه.
أظهرت شهادات خاصة لمسؤولين ومحققين سابقين ومحاسبين ونواب، أن الطريقة التي صممت بها تلك المكاتب سمحت لها، مع الوقت، بإنشاء نظام ذاتي يولد المزيد من المكاتب الفرعية، يستمد قوته من جماعات مسلحة ومن الانتخابات أيضاً، التي يصادف أنها تشكل السلطات في البلاد.
وشرحت إفادة نادرة لمستشار مطلع على هياكل حكومية، كيف تطورت «الاقتصاديات»، من نموذج بدائي بدأ يتشكل عام 2006 وصولاً اليوم إلى خوارزمية معقدة، مرت بثلاث مرحل من النمو والتكيف.
خلف هذا النظام، تجني إيران مكاسب من نفوذ الكيانات المالية الموازية، لتمويل «محور المقاومة» دون أن يعني ذلك أنها تحتكر الأرباح، لكن أهميتها تكمن في التغطية على أنشطة التهرب من العقوبات الأميركية.
تكشف الإفادة ذاتها عن مستويين من المكاتب، يمكن وصف الأولى بدرجة «كبار الشخصيات»، وتضم قادة أحزاب شيعية وسنية، يقتصر دورها على توقيع العقود وتحصيل نسب من الأرباح، تاركة مراحل التنفيذ للمستوى الثاني من المكاتب، ويمكن وصفه بـ«الدرجة السياحية»، الأوسع والأكثر تشعباً.
يسود اعتقاد بأن المتهمين الذين يخضعون للتحقيق منذ أسابيع، والأموال التي يعلن عن ضبطها، ينحصرون ضمن نطاق المستوى الثاني. ولا يزال الوقت مبكراً للقول إن السلطات تقترب من وكر الدرجة الأولى.
في 28 يونيو 2026، قدمت السلطات عرضاً مثيراً للقوة، باستخدام دبابات ومدرعات في المنطقة الخضراء، لمداهمة مقرات سياسيين في بغداد، واعتقلت العشرات.
اقرأ ايضا: إيران: أميركا انتهكت اتفاق إنهاء الحرب بإعادة فرض عقوبات نفطية
العرض الذي وصفه سياسيون عراقيون بـ«الانقلاب» نال تسمية تمنح العملية طابعاً هجومياً ودرامياً: «صولة الفجر». بعد ذلك الفجر، نُفذت الاعتقالات اللاحقة بصمت، ودون استعراض.
وتتركز الاعتقالات على اثنين من كبار المسؤولين في قطاع الطاقة العراقي، هما وكيل وزارة النفط لشؤون التصفية عدنان الجميلي، ووكيل وزارة النفط لشؤون التوزيع علي معارج. ويعتقد أنهما – أو أحدهما – حلقتان مفصليتان في برنامج إيراني لتهريب النفط والالتفاف على العقوبات الأميركية، إلى جانب تمويل جماعات مسلحة وحملات انتخابية للاعبين مختلفين.
لم يسبق أن نجحت حملات أطلقتها الحكومات المتعاقبة لمكافحة اختلاس الأموال، وفق صحافيين وسياسيين. غالباً ما تبدأ بإعلانات ضخمة عن الاعتقالات، ولا تنتهي بالمحاسبة أو إصلاح لوائح العمل في الإدارة الحكومية، ما عزز الانطباع بأن الحملات غطاء لتصفية حسابات بين أقطاب السلطة، أو لمعالجة أزمة داخلية.
يقول مسؤول حكومي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الأمر مختلف الآن، إلى الحد الذي دفع جهات دولية لمصارحتنا حين نتحدث عن أزمتنا المالية بسبب القيود الأميركية وإغلاق هرمز: الأموال حولكم، في كل مكان (…) ورائحتها قذرة».
منذ نحو عقدين، بدا أن الفساد لا يوصم أصحابه بالعار الاجتماعي، بل إن أثرياء تحوم حولهم الشبهات يعاملون كنجوم مجتمع، بينما وجد منتقدو أحزاب «الإسلام السياسي» أن التطبيع مع هذه الجرائم يعود إلى ما يُعتقد أنها فتاوى لا تحرم الاستحواذ على أموال الدولة أو مصارفها باعتبارها «مجهولة المالك».
يتداول سياسيون على نطاق واسع تقديرات متباينة لحجم الأموال التي يعتقد أنها اختُلست خلال العقود الماضية، بين عشرات ومئات المليارات من الدولارات. في الوقت نفسه، لا تبادر السلطات في كثير من الحالات إلى دحض أو تأكيد الأرقام المتداولة.
يقدر صادق الركابي، وهو خبير اقتصادي مقيم في لندن، حجم المبالغ التي استولت عليها «الاقتصاديات» بنحو 15.3 مليار دولار سنوياً من الموازنة. يقول إن عشرات الوسطاء والشركات شغلوا استثمارات لأصول الدولة بمئات مليارات الدولارات.
كانت الحكومة السابقة، برئاسة محمد شياع السوداني، شغلت منذ 2023، موازنة تغطي ثلاثة أعوام بنحو 450 مليار دولار، لكن رئيس الحكومة الحالي علي الزيدي يقول إنه تسلم الخزينة العامة وفيها نحو مليار دولار.
وجبة من الأموال النقدية ضُبِطت في أحد المنازل تعود لقضية الموقوف عدنان الجميلي (مجلس القضاء)
تبدو الفكرة التي هندست مكاتب الأحزاب شديدة التبسيط، لكن هذه البساطة هي أيضاً سر التعقيد؛ يصطفي الحزب أفراداً موثوقين، يمكن السيطرة عليهم، يديرون عمليات مالية تتطلب الحضور والتأثير في أماكن رسمية بوصفهم أشباحاً «لا يوقعون على أي وثيقة رسمية».
يقول محقق سابق، خرج من الخدمة قبل نحو عشر سنوات بسبب تهديدات، إن «أعضاء الاقتصاديات أشخاص يسهل توقعهم، مثل الدائرة العائلية الصغيرة لرئيس الحزب، لكن هناك أيضاً أولئك الذين لا يخطرون على البال (…..) زوجة السائق، ابن عم أحد أفراد الحماية، أو هذا المراهق الذي يثير الفوضى في الحي؛ شخص اختير لطيشه وقابليته للإغراء، لا لنفوذه».
مع الوقت، راكمت الأحزاب موارد بشرية بمهارات فريدة؛ فن التفاوض، معرفة بدهاليز البيروقراطية وحاجات السوق، قنوات خاصة إلى المصارف ومكاتب الصيرفة، وفنون النجاة من الرقابة والعقوبات.
غريزة النجاة ليست الصفة الوحيدة التي يجب أن يضمنها مسؤول «الاقتصادية». يقول زياد الهاشمي، وهو خبير اقتصادي مقيم في بغداد، إن «عليه أن يتمتع بعلاقات سياسية ورسمية واسعة، تشمل الشركات والوزارات والمديرين العامين. يمكنه أن يطرق باب الكبار في أي وقت حاملاً صفقة دسمة».
تتنافس الأحزاب للظفر بأفضل شخص يدير شبكتها المالية. يقول المستشار السياسي إن «مسؤول الاقتصادية هو اسم ينمو في الظل (…) قوة لا يستهان بها، لكنه يبقى في معظم الحالات تحت عباءة زعيم الحزب، والعلاقة بينهما شديدة الحساسية والغموض».
للمكتب الاقتصادي نفوذ ضارب بلا مسمّى رسمي. «قد يكون الوزير موظفاً لديهم»، كما يقول عضوان قياديان في تحالف «الإطار التنسيقي»، المظلة الشيعية للحكومة.
وبعد كل انتخابات في البلاد، تخوض الأحزاب مفاوضات لتشكيل الحكومة يبدو ظاهرها سياسي وعقائدي، لكنها في الجوهر ترسم حدود المكاتب الاقتصادية، وحصص أربع سنوات مقبلة، وفق نظام عرفي يحوّل المقاعد البرلمانية إلى نقاط تُستخدم لتوزيع الحقائب.
يقول مسؤول سابق طلب عدم ذكر اسمه: «منذ الأسبوع الأول لوصول الوزير (أو الوكيل أو المدير العام) إلى مكتبه، يتولى فريق من مكتب الحزب الاقتصادي التفاوض على عقود الوزارة (…) إذا سارت الأمور كما خطط لها، يقولون للوزير: وقع هنا». يضيف: «من النادر أن تتمكن مؤسسة حكومية من توقيع عقود بعيداً عن سطوة المكاتب».




