أفاد القيادي في «الإدارة الذاتية» الكردية بشمال سوريا، سيهانوك ديبو، بأن حل «الإدارة» و«قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، «لا يعني الإلغاء»، بل «ستتحول مع قياداتها إلى فكرة متطورة في حزب بجلد سوري أوضح». وربط الإعلان عن حلها باكتمال عملية الدمج العسكري والأمني والإداري بهياكل الدولة التي أعلن مسؤول سوري أن 60 في المائة منها قد أُنجز.
وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، ذكر ديبو أن «اتفاقية 29 يناير (كانون الثاني) 2026»، الموقعة بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد «قسد» الجنرال مظلوم عبدي، «تحظى باهتمام كبير على جميع الصعد، فهي تجسد ترجمة عملية لـ(اتفاقية 10 مارس/ آذار 2025)».
وتابع: «على الرغم من أن (اتفاقية 29 يناير) لا تعدّ مثالية، فإنها واقعية. ولم تتناول تاريخاً لانتهاء صلاحياتها وحلّ (الإدارة الذاتية) أو (قسد)، إنما تؤكد وجوب إجراء تحول وتغيير في (الإدارة الذاتية) وفق الاتفاقية»، مشيراً إلى أن الطرفين لم يعلنا رسمياً عن أي تاريخ محدد لذلك، وأنه «على الأغلب؛ الأمر متروك لتنفيذ الاتفاق، ولو جاء بطيئاً بسبب تفاصيله»، كما أشار لذلك أيضاً الرئيس الشرع في المقابلة التلفزيونية الأخيرة.
الرئيس السوري أحمد الشرع خلال توقيع اتفاق دمج «قسد» في الجيش السوري مع قائدها مظلوم عبدي بدمشق يوم 10 مارس 2025 (إ.ب.أ)
وأوضح سيهانوك ديبو أن «الإدارة الذاتية لن تبقى كما كانت، بل سيصيبها التحول وفق (اتفاقية 29 يناير)».
وبشأن مصير قيادات «الإدارة الذاتية» و«قسد» و«مجلس سوريا الديمقراطية (مسد)»، بعد الحل، قال: «الحل لا يعني الإلغاء. القيادات ستتحول إلى تطوير الحزب بجلد سوري أوضح. وحينما يكون الحل سياسياً، فمن المهم أن تضمن الدولة الوطنية وجود كل حزب وحركة وطنية سورية، ومن يملك الفكرة لا يختفي… يغيّر الاسم فقط».
منذ الإعلان عن توقيع «اتفاق 29 يناير»، الذي ينص على دمج مؤسسات «الإدارة الذاتية» المدنية و«قسد» في هياكل الحكومة السورية، عُيّن عدد من المسؤولين الأكراد في مناصب رسمية، منهم نور الدين أحمد محافظاً للحسكة، والعميد سمير أوسو معاوناً لوزير الدفاع للمنطقة الشرقية، ومحمود خليل (سيامند عفرين) معاوناً لمدير الأمن الداخلي بمحافظة الحسكة. ومن وجهة نظر ديبو، فـ«من المهم ومن الأفضل أن نشهد تعيين مزيد من السوريين الأكراد في مناصب حكومية إضافية».
60 % من الدمج
مدير الشؤون السياسية في محافظة الحسكة، عباس حسين، بدوره، أكد ما ورد في تقارير إعلامية، الاثنين، بشأن قرب الإعلان رسمياً عن حلّ «قسد» و«الإدارة الذاتية».
وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الإدارة الذاتية» وجناحيها؛ العسكري «قسد»، والسياسي «مسد»، تجهز ترتيبات للإعلان رسمياً عن حلها بشكل كامل.
مدير الشؤون السياسية في محافظة الحسكة عباس حسين التقى وجهاء وأهالي بلدة تل براك شمال شرقي سوريا الأحد (سانا)
وأوضح حسين: «لديهم نية لحلها، لكن لم يحدَّد الموعد بالضبط،» مشيراً إلى أن الإعلان رسمياً عن ذلك «يمكن أن يكون خلال فترة زمنية قريبة».
وعلى الرغم من مضي أكثر من 6 أشهر على بدء تنفيذ عملية الاندماج التي نص عليها «اتفاق 29 يناير»، فإنها لم تنته حتى الآن. وبيّن حسين أن «الاتفاق لم يحدد مدة زمنية لإنهاء عملية الدمج التي أُنجز 60 في المائة منها»، موضحاً: «نعمل بكل طاقتنا من أجل إنهاء ملفات الاندماج».
تصفح أيضًا: «روما-2» أمام تثبيت وقف النار في جنوب لبنان وتوسعة المناطق التجريبية بضغط أميركي
ووفق تقدير «الإدارة الذاتية» و«قسد»، فإن عملية الاندماج تسير «بخطوات مهمة قد يراها البعض بطيئة، لكنها حتى اللحظة لم تتعثر»، وفق ديبو الذي أعرب عن اعتقاده أن «العملية يجب أن تأخذ وقتها المناسب»، مشيراً إلى أن كثيراً من المسائل تمت بنجاح؛ منها عملية الاندماج العسكري لـ«قسد» في الجيش بـ4 ألوية؛ 3 منها في منطقة الجزيرة، ولواء في عين العرب (كوباني). كذلك اندماج «الأسايش» في وزارة الداخلية، إضافة إلى خطوات مهمة اتٌخذت في مجال التربية والتعليم والصحة والاقتصاد والطاقة.
لكن القيادي في «الإدارة الذاتية» رأى أنه «ربما نحتاج إلى خواتيم مهمة؛ بيد أن الأهم أن المسألة تأخذ أبعادها ووقتها المستحق».
الضمانات الدستورية
ربط ديبو الإعلان عن حل «الإدارة الذاتية» و«قسد» باكتمال الاندماج العسكري والأمني والإداري في هياكل الدولة. وقال: «من المهم أن يتم إعلان مشترك من طرفي الاتفاق بشأن اكتمال عملية اندماج (قسد) ومؤسسات (الإدارة الذاتية) إلى ما يقابلها في النظام الإداري السوري العام».
«الشرق الأوسط» سألت ديبو عمّا إذا كانت هناك مواقع رسمية أخرى في الحكومة السورية متوقعة لقيادات كردية، مثل قائد «قسد» مظلوم عبدي، والرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في «الإدارة الذاتية» إلهام أحمد، فكان رده: «تُستكمل الشرعية للمكونات السورية وللدولة الوطنية حينما لا يُغيّب أي مكون، وسوريا المتوسعة على مكوناتها تكون معها النتيجة مثلى للجميع».
والتوقع الصحيح، في رأيه، «ألا يُقحم التمثيل في طريق الضمانات الدستورية، فالمسألة ليست شخصية بقدر ما أن الاندماج المقرر وفق الضمانات الدستورية أسهل وأكثر اعتيادية من غيره».
تحول في مسار الاتفاق
الباحث السياسي سامر الأحمد، وهو من أبناء منطقة الجزيرة في شمال سوريا، رأى أنه إذا صحت المعلومات عن قرب حل «الإدارة الذاتية» و«قسد» و«مسد»، فإنه يمثل نقطة تحول في مسار تنفيذ «اتفاق 29 يناير 2026».
لكن الأحمد عدّ لـ«الشرق الأوسط» أن «الإعلان عن حلّ (مؤسسات الإدارة الذاتية) لن يكون نهاية الملف، بل بداية اختبار أكبر تعقيداً. السؤال الحقيقي هو: هل ستنجح قيادات (قسد) في إنهاء ازدواجية القرار الأمني والعسكري، وإخراج نفوذ (حزب العمال الكردستاني)، (يتخذ من جبال قنديل في العراق معقلاً)، من المشهد السوري بصورة كاملة؟».
الأحمد شدد على أن «معالجة ملفات عودة المهجرين، وبناء إدارة محلية تمثل جميع المكونات، سيحددان ما إذا كان (الاتفاق) سيؤسس لاستقرار دائم أم سيبقى مجرد تغيير في الشكل دون المضمون».
عناصر من «وحدات حماية المرأة» (أرشيفية – الشرق الأوسط)
يٌذكر أن النواة الأولى لـ«الإدارة الذاتية»، التي كانت تهدف إلى تأسيس مشروع كردي في سوريا، بدأت عَبْر تشكيل «الهيئة الكردية العليا» التي أسسها «حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي (PYD)» في سوريا، و«المجلس الوطني الكردي»، بعد التوقيع على «اتفاقية أربيل (هولير)» في 12 يوليو (تموز) 2012. وقد شُكّل جناح عسكري لـ«الهيئة» مكوَّن من «وحدات حماية الشعب (YPG)» و«وحدات حماية المرأة (YPJ)» و«الأسايش»، ثم «قسد» عام 2015.
وتوسعت جغرافيا «الإدارة الذاتية» من 3 مقاطعات عام 2014، إلى 6 مقاطعات عام 2016، لتصل عام 2023 إلى اسم «الإدارة الذاتية الديمقراطية لإقليم شمال سوريا وشرقها» المكونة من 7 مقاطعات؛ هي: الجزيرة، ودير الزور، والرقة، والفرات، ومنبج، وعفرين الشهداء، والطبقة. ورافق هذا التوسع الجغرافي توسُّع الأجهزة العسكرية والأمنية، والمؤسسات المدنية، التابعة لـ«الإدارة» التي تضم عشرات آلاف المنتسبين إليها.
وخسرت «قسد» نسبة كبيرة جداً من مناطق سيطرتها، في مواجهاتٍ مسلحة اندلعت أواخر عام 2025 وبداية عام 2026 بين مسلحيها والجيش السوري واستمرت نحو أسبوعين، تبعها توقيع «اتفاق 29 يناير 2026».




