لا تبحث الأندية الكبرى في قرعة دوري أبطال أوروبا فقط عن اسم كبير يمكنه رفع قيمة المباراة، وإنما عن المواجهة التي قد تضع أسلوب لعبها بالكامل تحت الاختبار.
ومع إجراء قرعة مرحلة الدوري للنسخة الجديدة من دوري أبطال أوروبا غدًا الخميس، ينتظر كل فريق معرفة منافسيه الثمانية، بواقع فريقين من كل وعاء من الأوعية الأربعة، مع مباراة على أرضه وأخرى خارجها أمام كل وعاء.
وبينما تبدو القرعة عشوائية في ظاهرها، فإن بعض المواجهات تحمل مخاطر تكتيكية واضحة، خصوصًا للأندية التي تعتمد على الاستحواذ، الضغط العالي، أو الدفاع المتقدم، ضد الأندية التي تعتمد على التحولات بشكل أكبر.
بايرن ميونخ تحت قيادة فينسنت كومباني أصبح من أكثر الفرق التي تبحث عن السيطرة بالكرة والضغط المتقدم والهجوم المستمر، وهي هوية تتناسب مع شخصية المدرب وتوجه النادي الهجومي في دوري الأبطال.
لكن المشكلة تظهر عندما يواجه الفريق منافسًا لا يريد الاستحواذ أصلًا، فالفرق التي تستطيع امتصاص ضغط بايرن، ثم تحويل اللعب بسرعة إلى المساحات خلف الخط الدفاعي، قادرة على تحويل نقطة قوة الفريق البافاري إلى مصدر قلق، وهو ما حدث في الموسم الماضي من باريس سان جيرمان.
وهنا تكمن إحدى أهم مفارقات كرة القدم الحديثة: كلما تقدم الفريق أكثر لاستعادة الكرة، زادت المساحة التي يتركها خلفه في حالة كسر الضغط.
وظهرت هذه الفكرة بوضوح في تحليلات مباريات بايرن السابقة؛ فالتحولات تصبح أكثر خطورة في المباريات التي تعتمد على الضغط الفردي واللعب المتقدم، مع قدرة بايرن على استخدام السرعة والإبداع بمجرد استعادة الكرة، لكن مع وجود مساحات يمكن للمنافس استغلالها أيضًا.
لذلك، فإن أسوأ قرعة ممكنة من الناحية التكتيكية ليست بالضرورة مواجهة فريق يمتلك أكبر الأسماء، وإنما مواجهة فريق سريع، مباشر، يجيد الركض خلف الدفاع ويملك مهاجمين قادرين على استغلال أول تمريرة بعد افتكاك الكرة، مثلما فعل بودو جليمت على سبيل المثال ضد مانشستر سيتي الموسم الماضي.
أما هانز فليك، فمشكلته مختلفة في التفاصيل لكنها متشابهة في الجوهر. برشلونة يريد الضغط إلى الأمام، الدفاع بعيدًا عن مرماه، وإجبار المنافس على اللعب في مساحة ضيقة.
قد يهمك أيضًا: تقارير: مهاجم الهلال تحت أنظار فيورنتينا وبورتو
لكن هذا الأسلوب يحمل مخاطرة واضحة، وهي المساحة خلف خط الدفاعن فكلما ارتفع الخط، أصبحت جودة التمريرة الأولى بعد افتكاك الكرة أكثر أهمية، وأصبح امتلاك مهاجم سريع قادر على الانطلاق خلف الدفاع سلاحًا قاتلًا.
برشلونة في الموسم الماضي تعادل بصعوبة ضد كلوب بروج في مرحلة الدوري بدوري الأبطال، بعدما تمكن النادي البلجيكي من التسجيل 3 مرات في شباك الحارس خوان جارسيا، من نفس الطريقة، وهي التحولات في ظهر الظهيرين.
هذه ليست مجرد فرضية نظرية؛ فقد أظهرت تحليلات مواجهات برشلونة السابقة تحت قيادة فليك أن الخط الدفاعي المرتفع والضغط المتقدم يتركان مساحة خلف الدفاع يمكن استهدافها، وهو ما يجعل التحولات الهجومية السريعة من أكثر الأساليب إزعاجًا لهذا النوع من كرة القدم.
ولهذا يمكن أن يمثل برشلونة خصمًا مرعبًا لأي فريق يريد اللعب معه مباراة مفتوحة، لكنه في المقابل قد يجد نفسه في مشكلة أمام فريق لا يمانع في التخلي عن الكرة، وينتظر لحظة واحدة فقط لضرب المساحة خلفه.
الكابوس الثالث لا يرتبط بمدرب واحد، وإنما بفكرة أصبحت منتشرة بين كبار دوري الأبطال، فالاستحواذ ليس ضمانًا للسيطرة على النتيجة.
هناك فرق تستطيع أن تترك الكرة لمنافسها، ثم تجعل المباراة تتحول إلى سلسلة من الهجمات المرتدة. هذه النوعية من المواجهات يمكن أن تكون مزعجة أيضًا لمانشستر سيتي، وأرسنال، وباريس سان جيرمان، وكل فريق يعتمد على الضغط المتقدم والتمركز بعدد كبير من اللاعبين في نصف ملعب المنافس.
والأمر لا يتعلق فقط بسرعة الجناحين أو المهاجمين؛ فالتحول الناجح يبدأ من أول تمريرة بعد افتكاك الكرة، ثم سرعة وصول بقية اللاعبين إلى المساحة المفتوحة.
ولهذا كانت التحولات من أبرز الأسلحة التي استخدمتها الفرق في مباريات دوري الأبطال الأخيرة، باعتبارها اللحظة التي تتفكك فيها السيطرة المنظمة ويظهر فيها الفراغ بين الخطوط.
المثير في قرعة دوري الأبطال هذا الموسم أن كل فريق سيواجه ثمانية منافسين، وليس مجموعات تقليدية يمكن قراءة قوتها بسهولة.
وبالتالي، فإن قرعة دوري الأبطال المثالية بالنسبة للمدرب ليست بالضرورة التي تحتوي على أقل عدد من الأسماء الكبيرة، وإنما التي تتوافق معها من الناحية التكتيكية، فنرى بأن باريس سان جيرمان بطل آخر نسختين، كانت قرعة مرحلة الدوري في الموسمين الأصعب من بين كبار القارة.




