تواصل الحكومة المصرية حملة إعلانية توعوية تحت شعار «بيتكم منور بيكم»، بمشاركة نجوم الفن والرياضة بهدف تشجيع المواطنين على تبني سلوكيات تساعد على تقليل استهلاك الكهرباء، بينما يقول الأربعيني محمد رؤوف، المحاسب في إحدى شركات الأدوية بمدينة العبور (شرق القاهرة)، إن «شجاره اليومي مع زوجته وأبنائه الثلاثة، يرجع للأنوار المضاءة دون جدوى»، مبيناً أن «تنبيهه الدائم لهم، هو أن الكهرباء أصبحت مكلفة، وليست متاحة بلا حساب».
ويضيف رؤوف بتهكم: «كأب مصري، لا شاغل لي سوى التنقل بين غرف المنزل لإطفاء اللمبات المُضاءة، تجنباً لفاتورة كهرباء تقصم ظهر راتبي، الذي يغطي بالكاد احتياجاتنا الأساسية».
مع زيادة أخيرة أعلنتها «وزارة الكهرباء والطاقة المتجددة»، مطلع الشهر الجاري، بمتوسط بلغ 12 في المائة، وتثبيت أسعار الشريحة الأولى دون أي تغيير، يتكرر المشهد داخل منزل الأب رؤوف في «العبور»، في مئات آلاف المنازل غيره، عاكساً ما يمثله ارتفاع تكاليف استهلاك الكهرباء من أعباء مادية مضاعفة على الأسر المصرية.
وشهدت مصر موجات متتالية من ارتفاع الأسعار متأثرة بالأوضاع الإقليمية وتداعيات الحرب على إيران، فضلاً عن الزيادات المتكررة في تكاليف السلع والخدمات.
تعريفة محاسبية جديدة تم إقرارها أخيراً لشرائح الاستخدامات المنزلية (الشركة القابضة لكهرباء مصر)
وأمام تلك الزيادات، غيَّر مصريون من عاداتهم الاستهلاكية، ولجأوا إلى تعديل ميزانياتهم لصالح فاتورة الكهرباء تزامناً مع موجة الحر الشديد في البلاد، من بينهم الثلاثيني أحمد فريد، الموظف بإحدى الشركات الخاصة، في محافظة المنوفية (دلتا النيل)، الذي يقول: «أمام موجة الحر الشديد خلال الصيف لا يمكن الاستغناء عن جهاز التكييف، ورغم أن شحن (كارت العداد الذكي) يمثل عبئاً على ميزانيتي، فإنني أحاول الاقتطاع من الميزانية المخصصة للطعام والشراب لأجل شحنه».
ويضيف: «لجأت كذلك إلى تقليل تشغيل الأجهزة الكهربائية الأخرى حتى نضبط الاستهلاك، مع تقليل تشغيل التكييف نفسه لمدة 4 ساعات خلال الليل فقط، حيث نجتمع أنا وزوجتي وطفلتاي في غرفة واحدة للنوم، ورغم ما يمثله ذلك من قلة للراحة، فإنه أصبح ضرورة لمواجهة ارتفاع الفواتير».
اقرأ ايضا: “الطيران المدني” تبحث مع السفير الصيني تطوير خدمات النقل الجوي
ومع هذه المحاولات للتكيف، يرى الخبير الاقتصادي، رئيس «مركز المصريين للدراسات الاقتصادية والاجتماعية» عادل عامر، أن «فاتورة الكهرباء تحولت إلى عنصر ضاغط فرض على الأسر إعادة ترتيب أولوياتها وأنماط إنفاقها، ودفعت إلى إعادة التفكير الجذري في سلوكياتها الاستهلاكية، فلجأت إلى ترشيد الاستهلاك، واستغنى بعضها عن الأجهزة الأكثر استهلاكاً للطاقة».
ويبيّن أن «الضغوط لم تعد مقتصرة على قيمة الفاتورة في حد ذاتها، بل امتدت لتتسبب في تراجع حقيقي بمستوى المعيشة نتيجة ترافق رفع أسعار الطاقة مع زيادات متزامنة في الغذاء والنقل والخدمات، في ظل ثبات الدخول أو نموها بوتيرة أبطأ من تكلفة المعيشة».
الفاتورة وشحن كارت العداد الذكي من أبرز العوامل التي تؤثر في ميزانية الأسرة المصرية (الشركة القابضة لكهرباء مصر)
ويوضح عامر لـ«الشرق الأوسط» أن «الأسر تجد نفسها أمام معادلة صعبة، إما تقليص الاستهلاك، وإما تحمّل فواتير تتجاوز ميزانياتها، مع الأخذ في الحسبان أن الكهرباء ليست سلعة يمكن الاستغناء عنها بسهولة، فلا يمكن التخلي عن الثلاجة والتكييف والغسالة والأجهزة الأساسية الأخرى لا سيما مع ارتفاع الحرارة».
كما يلفت إلى أن الطبقة المتوسطة «تتحمل النصيب الأكبر من هذا العبء، حيث يؤدي اعتمادها على الأجهزة الأساسية إلى دخولها تحت شرائح الاستهلاك الأعلى تكلفة».
وبحسب الخبير المالي والاقتصادي ياسر حسين، فإن الارتفاعات المتتالية في أسعار الكهرباء «أصبحت تضغط سلباً على قدرة قطاع كبير من الأسر المصرية في تلبية كامل احتياجاتها الأساسية المعتادة، بالتزامن مع ازدياد الضغوط الاقتصادية على الدخول الشهرية لمعظم العائلات؛ ما ينعكس مباشرة على قدرتها على توفير بقية المتطلبات المعيشية الأخرى».
ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن انعكاسات رفع أسعار الكهرباء لا تقتصر على الفاتورة وحدها، «بل تمتد لتصنع حلقة اقتصادية مترابطة، حيث يؤدي رفع تكلفة الطاقة إلى زيادة أسعار السلع والمنتجات الأساسية التي تدخل الكهرباء في تكاليف إنتاجها بشكل مباشر أو غير مباشر».
ويشدد حسين على ضرورة «نشر ثقافة ترشيد الكهرباء»، ويشير إلى أن المجتمع المصري «سواء على مستوى الأفراد، أو الأسر، أو الجهات العامة والخاصة، ما زال بعيداً نسبياً عن تبنِّي هذه الثقافة».




