لم تعد الأزمات المالية التي تعصف بالأندية الأردنية مجرد أرقام في دفاتر الحسابات، بل باتت تهدد قدرة أندية عريقة على مواصلة حضورها الطبيعي في المشهد الرياضي، في ظل تراجع الدعم الحكومي وارتفاع كلفة المنافسة واستقطاب اللاعبين.
وفي قلب هذه الصورة، يبرز قطبا العاصمة، النادي الفيصلي ونادي الوحدات، اللذان عانيا خلال الفترة الماضية من أزمات مالية كبيرة، في وقت غاب فيه الدعم الحكومي الكافي عن أندية تحمل إرثًا كبيرًا في الكرة الأردنية، وتشكّل جزءًا أساسيًا من تاريخ اللعبة وجماهيريتها.
لكن المشهد لم يبقَ على حاله، إذ بدأ رجال الأعمال بالدخول إلى مساحة كانت لسنوات طويلة مرتبطة بالدعم المؤسسي، في محاولة لإنقاذ الأندية من أزماتها المالية، وضمان قدرتها على الاستمرار والمنافسة.
في النادي الفيصلي، برز رجل الأعمال محمد الحنيطي، رئيس اللجنة المؤقتة الحالية للنادي، في إدارة المرحلة الحالية، والعمل على دعم النادي وتجاوز التحديات المالية التي واجهته والعمل على جلب صفقات نوعية وتدعيم الفريق بما يلزم في جميع المراكز، بما يعكس حضورًا متزايدًا للقطاع الخاص في إدارة الأزمات الرياضية.
وفي المقابل، جاء الدعم لنادي الوحدات من رجل الأعمال عماد الدميسي ورجل الأعمال رائد الحيفاوي، من خلال دعم مالي مباشر والمساهمة في تغطية الالتزامات، إلى جانب دعم احتياجات النادي، في خطوة تستهدف مساعدة أحد أكبر أندية الكرة الأردنية على تجاوز أزمته المالية والحفاظ على حضوره في المنافسات.
وهنا تبرز أهمية هذا الحضور؛ فالدعم لا يتعلق فقط بتوفير الأموال في لحظة أزمة، بل يمكن أن يتحول، إذا جرى تنظيمه واستثماره بصورة مستدامة، إلى نموذج جديد في تمويل الرياضة الأردنية، يقوم على الشراكة بين الأندية ورجال الأعمال والقطاع الخاص.
ولعل التجربة الأبرز التي يمكن التوقف عندها في هذا السياق، هي تجربة نادي الحسين إربد، الذي شهد خلال السنوات الأخيرة تحولًا لافتًا مع حضور رجل الأعمال عامر أبو عبيد، الذي قاد النادي نحو منصات التتويج، وأسهم في صناعة نهضة حقيقية في مسيرته الرياضية.
ولم يقتصر الأمر على الدعم المالي، بل امتد إلى ضخ الأموال واستقطاب لاعبين مميزين من داخل المملكة، إلى جانب التعاقد مع محترفين من الخارج، وهو ما انعكس على مستوى الفريق ونتائجه، وصولًا إلى المنافسة على الألقاب وفرض حضور النادي في واجهة المشهد الرياضي الأردني خلال السنوات الأخيرة.
نوصي بقراءة: مستوطنون يحرقون مركبات ويهاجمون منازل فلسطينيين جنوبي نابلس
وتقدم تجربة الحسين إربد مثالًا واضحًا على قدرة الاستثمار الرياضي، عندما يقترن بالعمل الإداري والتخطيط والاستثمار في عناصر الفريق، على تغيير واقع النادي والانتقال به من مرحلة البحث عن الاستقرار إلى مرحلة المنافسة على البطولات.
ورغم أن الرياضة تمثل قطاعًا اقتصاديًا وجماهيريًا واسعًا، فإن الاستثمار الرياضي ظل لسنوات من الاستثمارات الغائبة نسبيًا عن المشهد الاقتصادي في الأردن، مقارنة بقطاعات أخرى استقطبت اهتمام رجال الأعمال والمستثمرين، إلا أن دخول رجال الأعمال على خط إنقاذ الأندية، سواء في الفيصلي أو الوحدات أو الحسين إربد، يعيد طرح السؤال حول إمكانية تحويل هذا الحضور من مبادرات فردية مرتبطة بالأزمات إلى استثمارات رياضية حقيقية ومستدامة.
فالرياضة لم تعد مجرد منافسة داخل الملعب، بل أصبحت صناعة متكاملة تشمل حقوق الرعاية والإعلانات والتسويق والاستثمار في اللاعبين والأكاديميات والبنية التحتية والجماهير، وهي مجالات يمكن أن تفتح أبوابًا جديدة أمام القطاع الخاص.
وقد يكون ما يحدث اليوم بداية لتغيير في مفهوم تمويل الأندية الأردنية؛ من انتظار الدعم إلى البحث عن الاستثمار، ومن معالجة الأزمات بعد وقوعها إلى بناء موارد مالية قادرة على حماية النادي على المدى الطويل.
المطلوب اليوم ليس أن يحل رجال الأعمال مكان الحكومة بشكل كامل، ولا أن تتحول الأندية إلى رهينة للدعم الفردي، وإنما أن تكون هناك منظومة واضحة تتيح للقطاع الخاص الدخول إلى الرياضة بصورة منظمة، وتمنحه حوافز حقيقية للاستثمار، في مقابل ضمان استدامة الأندية وشفافية إدارتها وحماية هويتها وتاريخها.
فحين يضخ رجل أعمال أمواله لإنقاذ نادٍ من أزمة مالية، فإن الأثر المباشر يكون إنقاذ النادي من التعثر، لكن الأثر الأبعد يمكن أن يكون تأسيس نموذج جديد للرياضة الأردنية.
ومن الفيصلي والوحدات إلى الحسين إربد، يبدو أن رجال الأعمال بدأوا يطرقون بابًا ظل مغلقًا لفترة طويلة.
وربما تكون الخطوة الأهم في المرحلة المقبلة هي تحويل هذا الحضور من مبادرات لإنقاذ الأندية عند الأزمات، إلى شراكات استثمارية مستدامة تجعل الأندية قادرة على صناعة مواردها، ومنافسة الألقاب، وحماية إرثها الرياضي بعيدًا عن انتظار الدعم الموسمي.
فالأندية الكبرى لا تحتاج فقط إلى من ينقذها عندما تتعثر، بل إلى من يساعدها على بناء نموذج يجعلها قادرة على الوقوف وحدها.




