فتح اللقاء الذي جمع صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين في الكرملين، الباب أمام تساؤلات كثيرة حول أبعاد التعاطي مع موسكو، في ظلِّ التنافس المحموم بينها وبين واشنطن على النفوذ في ليبيا.
والتقى الرئيسُ الروسي الفريقَ صدام في قصر الكرملين بالعاصمة موسكو، خلال زيارة رسمية بدأها قبل يومين، عدَّها متابعون «لا تخلو من أبعاد استراتيجية، ورسائل سياسية مهمة»، في مواجهة الدور الدبلوماسي الأميركي في ليبيا.
وقالت القيادة العامة للجيش، مساء الأربعاء في بيان مقتضب، إنَّ الرئيس بوتين «أكد دعمه للجهود الرامية إلى توحيد المؤسسات في ليبيا، وتعزيز استقرارها، والحفاظ على وحدة أراضيها»، كما نقلت عن بوتين «تقديره الكبير للقائد العام المشير خليفة حفتر، ولدور القوات المسلحة في حفظ الأمن والاستقرار في ليبيا»، وتثمينه «جهود نائب القائد العام في تطوير ورفع كفاءة القوات المسلحة».
وتضطلع واشنطن بدور دبلوماسي نشط بين شرق ليبيا وغربها، مستنداً إلى مبادرة تستهدف «إنهاء الانقسام»، لكن ينظَر إليه على أنَّه خطوة نحو توسيع النفوذ الأميركي، في مواجهة تحرُّك روسي مدعوم بوجود عسكري في شرق ليبيا وجنوبها منذ عام 2018.
وتدعم أميركا مبادرةً لحلحلة الأزمة الليبية، وفق ترتيبات لم تُعلَن بعد، تتعلق بإسناد رئاسة المجلس الرئاسي لصدام حفتر، وإبقاء عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة.
وعدَّد عمر بوسعدة، المحلل السياسي الليبي، الرسائل التي تعكسها زيارة صدام إلى الكرملين، وقال إنَّها تُعَدُّ «شرعنة للقيادة المستقبلية». ورأى في حديث إلى «الشرق الأوسط» أن «اللقاء المباشر مع رئيس دولة بحجم روسيا هو بمثابة اعتراف رسمي ودولي بموقع الفريق صدام بصفته فاعلاً استراتيجياً وقائداً محورياً مستقبلياً؛ مما يعزِّز وزنه السياسي على الساحة الدولية».
كما يرى بوسعدة أنَّ الزيارة «تُؤمِّن غطاءً، وتوازناً دولياً يضمن الشراكة المباشرة مع الكرملين بوصفه ثقلاً تكتيكياً ودبلوماسياً في المحافل الدولية، مما يمنح القيادة العامة مرونةً أكبر في التعامل مع الضغوط، أو المبادرات الإقليمية والدولية»، معتقداً أنَّ مثل هذه الزيارة «تعكس الرغبة في الانتقال من صيغة العلاقات غير الرسمية إلى التعاون المؤسسي الرسمي المستدام بين الدول».
ولم يمر لقاء بوتين مع صدام في الكرملين عابراً بين الأطراف الليبية المتجاذبة والمتناحرة، في ظلِّ حالة دائمة من «المباهاة بالصور»، التي تعكس لقاءات مسؤولين من شرق البلاد وغربها بأطراف دولية في أميركا وروسيا على سبيل المثال.
ونقلت القيادة العامة عن صدام أنَّه أشار في اللقاء إلى عمق العلاقات الأخوية التي تجمع ليبيا وروسيا، وتأكيده على حرص القيادة العامة للقوات المسلحة على تعزيز التعاون مع روسيا في مختلف المجالات، بما يخدم المصالح المشتركة.
تصفح أيضًا: المعاش الإضافى فى قانون التأمينات الاجتماعية.. شروطه وكيفية الحصول عليه
وبعد أن كانت موسكو تحصر علاقاتها في دعم «الجيش الوطني» عسكرياً، بدأت في تعزيز انخراطها بين جُل أفرقاء الأزمة، عبر تحركات دبلوماسية، وفتح قنوات تواصل مع الفاعلين في غرب ليبيا، بموازاة الدور الأميركي.
وبدا لمتابعين كثيرين أنَّ صدام حفتر «يوازن في خياراته» في ظلِّ احتدام التنافس السياسي، ودخول أطراف إقليمية ودولية على خط الأزمة الليبية، لذا قال بوسعدة: «إن العلاقة مع كل من روسيا وأميركا يجب أن تُقرأ ضمن سياق أوسع»، مبرزاً أنَّ ليبيا «تقف اليوم عند نقطة تقاطع جيواستراتيجي بين قوى دولية متعددة، والذكاء السياسي هنا يكمن في عدم الانحياز الكامل لطرف على حساب آخر؛ بل في إدارة توازن مصالح يحفظ لليبيا هامش المناورة».
وسبق أن أجرى صدام زيارةً إلى موسكو في 13 مايو (أيار) الماضي، التقى خلالها نائب رئيس الإدارة الرئاسية الروسية سيرغي كيريينكو، ووزير الدفاع الروسي أندريه بيلوسوف. واستهدفت زيارته بحث سبل تعزيز التعاون العسكري، خصوصاً في مجالات التدريب والتأهيل، وبرامج رفع الكفاءة والجاهزية.
وعبَّر حساب منسوب له على «فيسبوك»، وصف صدام لقاءه بالرئيس الروسي بأنه «مثمر»، وقال: «أُقدّر إشادته بدور القوات المسلحة في حفظ الأمن والاستقرار في ليبيا، وأثمّن دعمه للجهود الرامية إلى توحيد المؤسسات، وتعزيز الاستقرار في ليبيا».
وأضاف: «أكدنا خلال اللقاء أهمية مواصلة تعزيز التعاون الليبي – الروسي في مختلف المجالات، بما يمهِّد لشراكة استراتيجية بين البلدين، ويخدم المصالح المشتركة، ويدعم جهود حفظ الأمن والاستقرار الإقليميَّين».
وفي مقابل إشادة واسعة من نشطاء وموالين لـ«الجيش الوطني» بما سموها «دبلوماسية بنغازي»، قللت منصات وصفحات مقربة من قوى الغرب الليبي من أهمية هذه التَّحرُّكات، متهمةً إياها بالترويج الإعلامي.
وعدَّ الناشط السياسي محمد قشوط اجتماع بوتين وصدام في الكرملين بأنه «لم يكن استقبالاً أو مجرد لقاء بروتوكولي أو صورة عابرة؛ بل عكس خطوة تحمل دلالات سياسية عميقة»، وعدَّ أن ما جرى «يُبرز الصعود المتنامي لشخصية قيادية شابة، باتت تمثل رقماً مهماً في معادلة المشهد الليبي». وقال إن صدام «استطاع أن يسير بخطى ثابتة في سياسة تصفير العداوات، واحتواء الخصوم للقيادة العامة، ويصنع حالةً من توازن القوى في ظلِّ التشابك، والتداخل الدولي الذي يتصارع حول ليبيا».
ويُظهر الوجود العسكري الروسي في ليبيا زخماً متزايداً عبر 6 قواعد جوية محورية، تشمل الجفرة، والخادم، وغردابية، وبراك الشاطئ، بحسب تقرير لـ«بيزنس إنسايدر أفريقيا».
ولا يقتصر هذا الحضور على أعمال التوسعة والتحديث العمراني للمنشآت، بل يمتد لتعزيز التمركزات الميدانية بأسلحة نوعية تضم طائرات «ميغ-29»، ومسيّرات ومنظومات دفاع جوي. ودائماً ما تكتفي موسكو بنفي أي وجود لها في ليبيا.
وبموازاة الدبلوماسية الأميركية النشطة التي يعكسها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، تعمل روسيا على تكثيف تحركاتها أيضاً في ليبيا، كي لا تضطر، وفق محللين، إلى مغادرة قواتها ليبيا، وفقد قواعد عسكرية ونقطة انطلاق حيوية إلى قلب أفريقيا.




