عكست التحركات الميدانية لموسكو وتوسيع استهداف الموانئ والسفن التي تنقل أسلحة ومعدات غربية إلى أوكرانيا، مسعى روسيا لاستعادة زمام المبادرة، وقطع الطريق على محاولات بلورة مداخل جديدة للتسوية السياسية للصراع تقوم على تعزيز قدرات كييف ومنحها أوراقاً تفاوضية أقوى.
وبالتزامن مع تزايد نشاط القيادة الأوكرانية في إبرام عقود تسليح واتفاقات صناعات عسكرية مشتركة مع عدد من البلدان الغربية، قلّلت موسكو من احتمال أن يطرأ تبدّل ملموس على خرائط جبهات القتال. وتحدّثت أوساط عن صعوبات كبرى تعترض تنفيذ اتفاقات لتعزيز قدرات أوكرانيا الدفاعية، فيما وجّه وزير الخارجية سيرغي لافروف تحذيراً جديداً من محاولات وضع أسس جديدة لتسوية سياسية لا تلبي مصالح بلاده. وقال إن موسكو لن تقبل بلُغة «الإنذارات النهائية» عبر وضع «أجندات زمنية ملزمة» لإنهاء الصراع.
وزيرا الخارجية الأميركي ماركو روبيو والروسي سيرغي لافروف قبيل مؤتمر ترمب وبوتين الصحافي يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
وقال مسؤولون روس إن موسكو تتابع بشكل حثيث التطورات الجارية حول ملف تسليح أوكرانيا منذ قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) قبل أسبوعين، ورزم الاتفاقات التي أبرمت مع عدد من الدول الأوروبية لتطوير صناعات عسكرية مشتركة، وصولاً إلى اللقاء المغلق الذي جمع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بالرئيس الأميركي دونالد ترمب، الثلاثاء، الذي تحدّثت تسريبات بعده عن إطلاق مسار لتعاون عسكري أوسع مع كييف.
وحاولت وسائل الإعلام المقربة من الكرملين التقليل من أهمية نتائج اللقاء. ونقلت وكالة أنباء «نوفوستي» أن ترمب أبلغ زيلينسكي، خلال لقائهما الأخير، بضرورة إنهاء الصراع الأوكراني. ورأت أن هذا التوجه يعكس التزاماً أميركياً بمواصلة جهود التسوية، ومساع للضغط على كييف.
أبرزت موسكو حجم الصعوبات التي تعترض تنفيذ اتفاقات أولية بمنح أوكرانيا ترخيصاً لإنتاج مشترك لصواريخ «باتريوت» التي تحتاج إليها كييف بشدة لمواجهة الهجمات الصاروخية المتزايدة على منشآت البنى التحتية.
ونقلت «نوفوستي» عن مصادر غربية أن أوكرانيا لن تكون قادرة على إنشاء إنتاجها الخاص من صواريخ الدفاع الجوي باتريوت، بسبب الموقف المتصلب لشركة «بوينغ» للصناعات الجوية ورفض منح التراخيص. وكانت بولندا وألمانيا قد أعلنتا استعدادهما لاستضافة صناعة مشتركة للصواريخ لصالح أوكرانيا.
لكن قناة «فيلت» الألمانية أشارت إلى «عقبة خطيرة تتمثل في تطوير رؤوس التوجيه لهذه الصواريخ التي تنتجها شركة بوينغ، وهي لا ترغب في منح ترخيص لإنتاجها لدول ثالثة».
جانب من لقاء ترمب وزيلينسكي في البيت الأبيض يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)
كما أشارت المصادر الروسية إلى صعوبات تتعلق بالتوقيت. وفي حين تحتاج أوكرانيا الصواريخ بشدة قبل حلول الشتاء، فإن «تنظيم إنتاج الصواريخ للأنظمة الأميركية يستغرق وقتاً طويلاً ويمثل عملية تكنولوجية معقدة للغاية، خصوصاً أن هذه المنظومات مطلوبة بشدة الآن من قبل الولايات المتحدة نفسها لتعويض النقص في مخزونات الدفاع الجوي».
وتحدثت أوساط فنية عن أن «المخاطر العالية لتدمير هذا الإنتاج من قبل العسكريين الروس عقبة أخرى أمام إطلاق مثل هذا الإنتاج في أوكرانيا».
وبالتالي لا يمكن توقع مساعدة سريعة لأوكرانيا في الوقت الحالي، حتى لو تم السماح بالإنتاج بموجب الترخيص.
في السياق ذاته، نقلت وسائل الإعلام الروسية عن «أكسيوس» أن زيلينسكي طلب من الرئيس الأميركي المسارعة بتزويد كييف بما يسمى «الحزمة الشتوية» لتعويض النقص الحاصل، ريثما يتم إطلاق التصنيع المشترك.
أنظمة «باتريوت» في قاعدة أميركية في كوريا الجنوبية (أرشيفية – رويترز)
وتتضمن هذه الحزمة 300 صاروخ اعتراض لمنظومات «باتريوت» في إطار استعدادات كييف للتصدي لأي هجمات قد تطال شبكة الطاقة الأوكرانية في الشتاء القادم، لكن المصادر الروسية شكّكت في قدرة ترمب حالياً على تزويد أوكرانيا بهذه الصواريخ بشكل سريع.
تصفح أيضًا: الجيش الأوكراني: استهدفنا 21 ناقلة روسية ببحر آزوف
وأفاد مصدر مطلع لوكالة «نوفوستي» بأن الولايات المتحدة كبحت عملياً «طموحات نظام كييف بشأن توطين إنتاج صواريخ باتريوت في أوكرانيا». ووفقاً له، اعتبر الجانب الأميركي خلال اللقاءات أن إنتاج صواريخ «باتريوت» لكييف في بولندا سيكون أكثر أماناً من إنتاجها داخل أوكرانيا.
لكن اللافت هنا أن التحذيرات الروسية اتخذت خلال الفترة الأخيرة طابعاً عملياً ميدانياً واسع النطاق.
بالتزامن مع توسيع حجم ونطاق الاستهدافات اليومية لمنشآت البنى التحتية داخل العمق الأوكراني، وجهت وزارة الدفاع الروسية رسالة مباشرة إلى الغرب ليلة الخميس عبر استهدافها سفينتي شحن تجاريتين في ميناء «يوجني» الأوكراني كانتا تنقلان شحنات عسكرية غربية للقوات الأوكرانية.
وقال الجيش الروسي في بيان إنه يواصل «توجيه ضربات دقيقة وقوية إلى الموانئ والسفن البحرية المستخدمة لصالح القوات المسلحة الأوكرانية». وزاد أن «نتيجة للضربات بأسلحة عالية الدقة وموجهة من الجو وطائرات مسيرة هجومية، تم استهداف سفينتي شحن تجاريتين في ميناء يوجني كانتا قد نقلتا شحنات ذات طابع عسكري».
رجل إطفاء يخمد النيران بعد هجوم روسي على سوق في كييف يوم 30 يوليو (أ.ف.ب)
ويعد ميناء «يوجني» من أهم الموانئ الأوكرانية على البحر الأسود، حيث يقع على بُعد نحو 30 كيلومتراً شمال شرقي مدينة أوديسا، ويستخدم مركزاً لوجستياً رئيسياً لاستقبال المساعدات العسكرية الغربية.
وتأتي الضربات الدقيقة في إطار استراتيجية موسكو المستمرة لتعطيل سلاسل الإمداد الأوكرانية وإضعاف قدرات كييف العسكرية، خصوصاً في ظل تزايد إمدادات الأسلحة الغربية إلى أوكرانيا عبر الموانئ الجنوبية. كما أعلنت وزارة الدفاع الروسية تنفيذ ضربات واسعة ومركّبة الليلة الماضية براً وبحراً وجواً للمطارات والصناعة العسكرية والموانئ ومواقع الطاقة ولوجستيات قوات كييف في أوكرانيا.
في غضون ذلك، صعد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف من لهجته تجاه تعزيز الدعم الغربي لكييف في الأشهر الأخيرة. وقال إن الغرب لا يزال يسعى جاهداً لإضعاف روسيا وتفكيكها.
جانب من لقاء الوفدين الروسي والأميركي برئاسة لافروف وروبيو في مانيلا يوم 23 يوليو (إ.ب.أ)
وزاد في حوار مع وكالة أنباء «تاس» الحكومية أن الغرب «بدأ بالترويج لإرهاب زيلينسكي (استهداف العمق الروسي) على أنه نقطة تحوّل مزعومة في النزاع، متمنياً انهيار روسيا، لذلك عاد إلى الواجهة شعار إلحاق هزيمة استراتيجية بروسيا وشعار (إنهاء الاستعمار الروسي)، الذي يقصد صراحة تمزيق بلادنا مرة أخرى».
وأشار لافروف إلى أن الوضع «اتخذ منحى خطيراً، حيث انقلب العالم الغربي بأسره ضد روسيا». وقال: «يخوض الغرب، بدرجات متفاوتة من الشراسة – لندن أكثر من غيرها، والولايات المتحدة أقلّ نسبياً – حرباً ضد روسيا عبر أوكرانيا، مُزوداً كييف بأحدث أنواع الأسلحة، ومعلناً أنه سيُنتج أنظمة مضادة للصواريخ جديدة فتاكة وعالية التقنية خصيصاً لأوكرانيا، وهذا ببساطة أمر لم يحدث من قبل».
لافروف لدى مشاركته في اجتماعات «آسيان» بمانيلا يوم 23 يوليو (رويترز)
وشدّد كبير الدبلوماسيين الروس على أن دول البلطيق أصبحت «رأس حربة أساسية» مُوجّهة ضد روسيا، مُذكّراً بأنها رفعت مؤخراً الحظر المفروض على نشر الأسلحة النووية على أراضيها.
وأشار لافروف إلى أن الغرب «يُوجّه إنذاراً نهائياً لروسيا بشأن تسوية في أوكرانيا». وأوضح: «يقول الغرب الآن إنه يُفكّر في موعد استئناف المفاوضات معنا، في مسعى لبلورة مداخل جديدة ومحاولة جمع أوروبا وأميركا وزيلينسكي وبوتين على طاولة واحدة. وقبل ذلك، من الضروري وفقاً لهم، إعلان هدنة ووقف إطلاق النار. بعد ذلك، سيرسل الغربيون قوة متعددة الجنسيات بقيادة فرنسا وبريطانيا، وبعدها سيجلسون للتفاوض. ماذا يعني هذا؟ إنه إنذار نهائي».
وجدّد لافروف رفض التعامل مع أي مبادرات لا تأخذ في الاعتبار مصالح روسيا. وقال إن «لدينا الجيش والأسطول وقدرات متزايدة للدفاع عن بلادنا ومصالحنا».




