لم تعد الأكاذيب على مواقع التواصل الاجتماعي تقتصر على الأخبار المضللة أو الصور المفبركة، بل امتدت إلى الأصوات التي يمكن تصنيعها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، لتبدو وكأنها تسجيلات حقيقية لشخصيات عامة أو مسؤولين أو إعلاميين، ومع تطور هذه التقنيات، أصبح من الممكن تقليد نبرة صوت شخص ونسب تصريحات إليه لم يقلها، ثم تقديم التسجيل باعتباره تسريبًا سريًا يكشف حقائق مخفية.
أصبح الذكاء الاصطناعي قادرًا على إنتاج تسجيلات تحاكي أصوات أشخاص حقيقيين بدرجة قد يصعب معها اكتشاف التلاعب من المرة الأولى. وتكمن خطورة هذه التقنية في أن الصوت يمنح المستمع شعورًا بالمصداقية، خاصة عندما يتضمن التسجيل عبارات مثيرة أو معلومات تبدو سرية، فيتحول المحتوى المصطنع إلى أداة لصناعة الأزمات وتوجيه الرأي العام دون دليل حقيقي.
تزداد خطورة هذه الممارسات عندما تُستغل تقنيات التزييف في حملات تستهدف إثارة البلبلة وزعزعة الثقة بين المواطنين. ويمكن لجماعة الإخوان الإرهابية، وغيرها من الجهات التي توظف الشائعات سياسيًا، الاستفادة من سرعة انتشار المحتوى المجهول للترويج لادعاءات مثيرة وإعادة تداول تسجيلات غير موثقة، بما يخلق حالة من الارتباك والشك، ولا يتوقف هدف التضليل عند إقناع الجمهور برواية بعينها، بل قد يمتد إلى إثارة الغضب وفقدان الثقة في المعلومات الصحيحة، حتى يصبح المواطن عاجزًا عن التمييز بين الحقيقة والادعاء. لذلك، فإن مواجهة هذه المحاولات تبدأ بكشف أساليب التلاعب والتحقق من الأدلة، دون الانسياق وراء اتهامات غير موثقة.
تعتمد التسجيلات المفبركة على عناوين مثيرة مثل «تسريب خطير» و«اسمع قبل الحذف»، لدفع المستخدم إلى الاستماع والمشاركة قبل التفكير في صحة المحتوى. وقد يُرفق التسجيل بصورة لشخصية معروفة أو فيديو قديم، ليبدو أكثر واقعية ويكتسب مصداقية زائفة، ومع إعادة النشر المتكرر، قد يعتقد البعض أن انتشار التسجيل دليل على صحته، رغم أن كثرة المشاركات لا تعني سوى وصول المحتوى إلى عدد أكبر من المستخدمين، فالانتشار ليس شهادة صدق، والتفاعل المرتفع لا يحول الادعاء إلى حقيقة.
تصفح أيضًا: موظفو الكونجرس يستخدمون الذكاء الاصطناعى فى كتابة القوانين
تستطيع تقنيات الذكاء الاصطناعي محاكاة نبرة الصوت وإيقاع الكلام وطريقة النطق، وقد لا تظهر علامات واضحة تكشف التزييف. وفي المقابل، يمكن أن تخطئ أدوات الكشف الآلي، لذلك لا ينبغي الاعتماد عليها وحدها للحكم على صحة التسجيل، والطريقة الأكثر أمانًا هي البحث عن المصدر الأصلي، ومراجعة التصريحات الموثقة، ومقارنة محتوى التسجيل بالمعلومات المنشورة عبر مصادر موثوقة، مع الانتباه إلى أن جودة الصوت وواقعيته لا تثبتان صحته.
يمثل الوعي الرقمي لدى الشباب المصري خط دفاع مهمًا أمام محاولات التضليل، فالمستخدم القادر على التفكير النقدي لا يمنح تسجيلًا مجهولًا سلطة تشكيل رأيه، ولا يصدق كل ما يسمعه لمجرد أن الصوت مألوف أو أن آلاف الحسابات أعادت نشره، ولا يقتصر الوعي على اكتشاف الأخبار الكاذبة، بل يشمل فهم الأساليب التي تستهدف المشاعر، والتمييز بين الدليل والادعاء، وعدم السماح للغضب أو الخوف بأن يتحولا إلى دافع لنشر معلومات غير مؤكدة، فكل مشاركة غير محسوبة قد تسهم في توسيع دائرة التضليل، حتى لو لم يقصد صاحبها نشر الأكاذيب.
تبدأ المواجهة بالتوقف قبل إعادة نشر أي تسجيل مشبوه، والبحث عن مصدره الأصلي وتاريخ نشره، والتحقق من وجود تصريحات موثقة تؤكد مضمونه. كما يجب الاستماع إلى التسجيل كاملًا، لأن اقتطاع أجزاء منه قد يغير المعنى، والانتباه إلى أن الصورة أو الفيديو المصاحب قد يكون قديمًا أو مأخوذًا من سياق مختلف، وإذا تعلق التسجيل بادعاء خطير أو تصريح منسوب إلى مسؤول، فلا ينبغي التعامل معه باعتباره حقيقة قبل التحقق من الأدلة، ويمكن الاستعانة بأدوات كشف التزييف، لكن مع إدراك أنها وسائل مساعدة وليست حكمًا نهائيًا على صحة المحتوى.
لا تعني مواجهة فبركة الأصوات الخوف من الذكاء الاصطناعي، فهذه التكنولوجيا تتيح فرصًا مهمة في التعليم والإعلام والإبداع، ويمكن توظيفها أيضًا في تطوير وسائل التحقق، لكن الخطورة تبدأ عندما تُستخدم لانتحال الشخصيات أو تلفيق التصريحات أو التأثير في الرأي العام بالمعلومات الكاذبة، وفي النهاية، قد تتمكن التكنولوجيا من تقليد صوت إنسان، لكنها لا تستطيع تحويل الادعاء إلى حقيقة، فالمعركة الحقيقية هي بين الوعي والاستغلال، وبين البحث عن الدليل والانجراف وراء الإثارة، وكلما امتلك الشباب المصري القدرة على السؤال والتحقق قبل المشاركة، تراجعت فرص نجاح حملات التضليل، وأصبح الوعي المجتمعي حصنًا أمام محاولات تزييف الحقائق وبث الأكاذيب.




