حذّر الرئيس التنفيذي لـ«أرامكو» السعودية، أمين الناصر، من أن هامش الأمان الذي تحظى به أسواق النفط العالمية في مواجهة اضطرابات الإمدادات أصبح «مقلقاً للغاية»، مع استمرار تداعيات إغلاق مضيق هرمز واستنزاف جزء كبير من المخزونات التجارية، متوقعاً أن يستغرق إعادة بناء المخزونات العالمية ما يصل إلى عامين حتى بعد عودة حركة الملاحة عبر المضيق إلى طبيعتها.
وقال الناصر، خلال «منتدى معلومات الطاقة» في لندن، الاثنين، إن الضغوط على أسواق الخام والوقود المكرر مرشحة للتفاقم ما لم يُستأنف المرور عبر هرمز بالكامل وتعود الثقة إلى الأسواق. وأضاف أن إطلاق المخزونات الطارئة سيمنح الاقتصادات بعض الوقت، لكنه «لن يحل المشكلة بصورة مستدامة»، في ظل استمرار اختلالات العرض والطلب.
وأوضح أن نحو 3 مليارات برميل من إمدادات النفط فُقدت منذ اندلاع الصراع في نهاية فبراير (شباط)، فيما جرى تعويض نحو مليار برميل من المخزونات العالمية. وقال إن إعادة ملء هذه المخزونات، بالتزامن مع تلبية الطلب العالمي، قد تضيف نحو مليوني برميل يومياً إلى الطلب خلال الأشهر الـ18 المقبلة.
وتأتي هذه التحذيرات بعد اتفاق دول «مجموعة السبع» على إطلاق ما يصل إلى 100 مليون برميل من مخزونات النفط والديزل الطارئة، في محاولة لتخفيف ضغوط الإمدادات وارتفاع أسعار الوقود. لكن الناصر قال إن الاحتياطيات الاستراتيجية لا تستطيع سوى توفير مهلة مؤقتة للأسواق، ولا يمكنها معالجة الخلل الأساسي في الإمدادات على المدى الطويل.
وقال الناصر إن العالم دخل الأزمة بمخزونات نفطية تقارب 10 مليارات برميل، لكن نحو 6 مليارات برميل فقط لا تزال في مرافق التخزين، ومعظمها غير متاح عملياً للاستخدام. وأوضح أن أقل من 10 في المائة من إجمالي المخزونات يمكن الوصول إليه فعلياً، فيما يوجد الجزء الأكبر في خطوط الأنابيب أو يمثل الحد الأدنى اللازم لتشغيل مرافق التخزين والبنية التحتية النفطية.
وأشار إلى أن هذه القيود تفسر صعوبة العثور على كميات كبيرة من الخام والمنتجات عند الحاجة إليها، محذراً من أن «النظام يتعرض بالفعل لضغوط». ويبلغ الطلب العالمي على النفط أكثر قليلاً من 100 مليون برميل يومياً.
وفي الوقت نفسه، أشار الناصر إلى أن الطلب العالمي على السوائل النفطية قد يظل مستقراً خلال العامين المقبلين إذا عادت الأوضاع إلى طبيعتها، متوقعاً أن يسهم الطلب الصيني على السوائل المستخدمة في قطاع الصناعات الكيميائية في دعم نمو الطلب على النفط، وتعويض أي تراجع محتمل ناجم عن التحول نحو السيارات والكهرباء.
وفي مواجهة اضطرابات حركة الملاحة، أكد الناصر أن منظومة «أرامكو» لا تزال متماسكة، وأن الشركة قادرة على إتاحة كامل طاقتها الإنتاجية المستدامة البالغة 12 مليون برميل يومياً خلال أيام، بفضل احتياطياتها الاستراتيجية والمرونة التشغيلية التي تتيح عزل الإنتاج أو تحويله وفق الحاجة.
لكن القدرة على الإنتاج لا تعني بالضرورة سهولة إيصال الخام إلى الأسواق، وهو ما يدفع «أرامكو» إلى توسيع خياراتها اللوجستية. وقال الناصر إن الشركة تبحث مسارات إضافية لتصدير الخام ومرافق تخزين جديدة في الخارج، مشيراً إلى أنها تعمل على ما وصفه بمساري التصدير «الرابع والخامس» لتقليل الاعتماد على أي نقطة اختناق منفردة.
قد يهمك أيضًا: اقتصاد قطر ينكمش 7 % في الربع الأول رغم نمو القطاع غير الهيدروكربوني
وتشكل منظومة خط أنابيب «شرق – غرب» أحد أهم هذه البدائل؛ إذ تتيح نقل الخام من المنطقة الشرقية إلى موانئ البحر الأحمر بعيداً عن مضيق هرمز. وقال الناصر إن أسعار خام برنت كانت ستصل إلى 200 دولار للبرميل لولا وجود هذا الخط.
وتبلغ الطاقة التصميمية لخط «شرق – غرب» نحو 7 ملايين برميل يومياً، فيما أظهرت بيانات «بلومبرغ» أن تدفقاته عادت إلى نحو 80 في المائة من طاقته بعد توقف مؤقت في أعقاب هجوم الشهر الماضي. كما تدرس السعودية زيادة طاقة الخط، في وقت لم تتعرض فيه تدفقاته لانقطاع، وفق مصدر نقلت عنه «رويترز» الاثنين.
ومن موانئ البحر الأحمر، يمكن للخام السعودي التوجه شمالاً عبر قناة السويس أو جنوباً عبر باب المندب، فيما تمتلك «أرامكو» أيضاً مرافق تخزين في ميناء سيدي كرير المصري. وقال الناصر إن الاعتماد على مسارات متعددة يمكن تعديلها في الوقت الفعلي، يقلل مخاطر أن يؤدي تعطّل نقطة اختناق واحدة إلى شل منظومة الإمدادات.
وقال الناصر إن إمدادات «أرامكو» أظهرت قدرة على الصمود خلال الأزمة، بفضل الاعتماد على مرافق التخزين الدولية وسرعة إصلاح البنية التحتية المتضررة. وأضاف أن الشركة قادرة على تلبية احتياجات عملائها، في وقت تعمل فيه على تعزيز خياراتها اللوجستية والتخزينية.
وحذر من أن الأسعار لا تعكس فقط توازنات العرض والطلب الحالية، بل أيضاً المخاطر الأمنية المرتبطة بالإمدادات في الخليج والبحر الأحمر.
وتداول خام برنت الاثنين حول 102 دولار للبرميل، بعدما سجل مستوى مرتفعاً بلغ نحو 126 دولاراً في نهاية أبريل (نيسان).
وقال الناصر إن الضغط على الخام لا يزال كبيراً، لكن أسعار الوقود المكرر ارتفعت بصورة أشد حدة، في وقت بدأت فيه الحكومات استخدام المخزونات الطارئة لتخفيف الضغوط على المستهلكين والأسواق.
ويرى أن إعادة فتح مضيق هرمز وعودة الثقة إلى الأسواق ستكونان شرطين أساسيين لبدء إعادة بناء المخزونات، إلا أن استعادة مستويات الأمان السابقة ستحتاج وقتاً طويلاً حتى مع عودة التدفقات.
وبحسب الناصر، فإن فقدان نحو 3 مليارات برميل من الإمدادات منذ بداية الصراع وسحب أكثر من مليار برميل من المخزونات استنزفا جزءاً مهماً من الوسادة التي كانت متاحة للأسواق لامتصاص الصدمات. ومع الحاجة إلى تلبية الطلب العالمي في الوقت نفسه، قد يستغرق استعادة هذا الهامش ما يصل إلى عامين.
وأكد أن تعدد مسارات التصدير والتخزين يمثل جزءاً أساسياً من قدرة منظومة الطاقة على الصمود، مشدداً على أن تقليل الاعتماد على ممر واحد لا يحد فقط من أثر الأزمات الحالية، بل يرفع قدرة المنتجين والمستهلكين على التعامل مع أي اضطرابات مستقبلية.




