وجه وليد فاروق، الخبير الحقوقي ورئيس الجمعية الوطنية للحقوق والحريات، التحية والتقدير إلى المجلس القومي لحقوق الإنسان على اهتمامه بطرح ومناقشة الموضوعات ذات الأهمية في مجال حقوق الإنسان ونشر ثقافتها وتعزيز الوعي بها، وفتح ملف تعزيز ثقافة حقوق الإنسان داخل المدرسة؛ مؤكدًا أن التشكيل الجديد للمجلس برئاسة السفير الدكتور أحمد إيهاب جمال الدين يمثل ثقلًا وخبرة يمكن أن يساهما بصورة مهمة في دفع هذا المسار، وتعزيز الحوار المجتمعي، وبناء جسور أكثر فاعلية بين مؤسسات الدولة والمجتمع المدني.
وأكد وليد فاروق، أن إدماج حقوق الإنسان في المنظومة التعليمية يجب ألا يُنظر إليه باعتباره مجرد إضافة موضوعات جديدة إلى المناهج الدراسية، وإنما باعتباره مسارًا متكاملًا لإعادة بناء الوعي لدى النشء، وترسيخ قيم الكرامة الإنسانية والمساواة وعدم التمييز وقبول التنوع واحترام الآخر وسيادة القانون.
وأوضح فاروق، أن المدرسة ليست مجرد مؤسسة للتعليم والتحصيل الأكاديمي، وإنما تمثل فضاءً أساسيًا لتكوين الشخصية الإنسانية والاجتماعية للطالب، مشيرًا إلى أنها في جوهرها مجتمع مصغر يعكس طبيعة المجتمع الذي نريد بناءه، وكلما نجحنا في جعل المدرسة بيئة قائمة على الاحترام والحوار والمساواة ونبذ العنف والتمييز، أسهمنا في إعداد أجيال أكثر قدرة على التعايش والمشاركة الإيجابية وتحمل المسؤولية.
وأشار الخبير الحقوقي، إلى أن تعليم حقوق الإنسان يجب ألا يقتصر على تقديم المعلومات أو النصوص القانونية للطلاب، وإنما ينبغي أن يتحول إلى ممارسة تربوية يومية، بحيث يدرك الطالب أن له حقوقًا أصيلة مرتبطة بكرامته الإنسانية، وفي الوقت نفسه يعرف أن عليه مسؤوليات تجاه الآخرين وتجاه مجتمعه، وأن ممارسة الحقوق والحريات ترتبط باحترام حقوق الغير والقانون والمصلحة العامة.
وشدد وليد فاروق، على أن تعليم احترام الاختلاف يمثل أحد أهم المداخل لبناء ثقافة حقوق الإنسان داخل المدرسة، موضحًا أن الاختلاف في الرأي أو الفكر أو القدرات أو الخلفيات الاجتماعية لا ينبغي أن يتحول إلى مصدر للإقصاء أو التنمر أو العنف، وإنما يجب أن يكون فرصة للتعلم والحوار.
وأضاف أن الطالب يجب أن يتعلم منذ الصغر كيفية التعبير عن رأيه بحرية ومسؤولية، والاستماع إلى الرأي المختلف، وإدارة الخلاف من خلال الحوار بدلًا من الصدام، مؤكدًا أن هذه المهارات تمثل أساسًا مهمًا لبناء شخصية قادرة على المشاركة الإيجابية في المجتمع.
قد يهمك أيضًا: 5 مخالفات بقانون هيئة الأرصاد تعرضك لعقوبة الغرامة 5 ملايين جنيه
وأكد رئيس الجمعية الوطنية لحقوق الإنسان، أن نجاح هذه المنظومة يتطلب استثمارًا حقيقيًا في المعلم، باعتباره شريكًا رئيسيًا في بناء الوعي الحقوقي لدى الطالب، لافتًا إلى أهمية توفير برامج تدريب وورش عمل متخصصة ومستدامة تمكن المعلمين من فهم مبادئ حقوق الإنسان وتحويلها إلى أدوات تربوية وممارسات داخل الفصل.
وأوضح أن المعلم يحتاج كذلك إلى تطوير مهارات إدارة الحوار والتعامل مع التنمر والعنف والتمييز، إلى جانب القدرة على فتح مساحات آمنة أمام الطلاب للتعبير والمناقشة وطرح الأسئلة دون خوف أو إقصاء.
ولفت فاروق، إلى أن مساحة الحوار داخل المدرسة ليست ترفًا، وإنما تمثل جزءًا من الحق في التعليم بمفهومه الواسع، مؤكدًا أن التعليم الذي يتيح للطالب أن يفكر ويناقش ويسأل ويختلف ويحترم الآخر، هو تعليم يسهم في بناء إنسان أكثر استقلالًا ووعيًا وقدرة على المشاركة في الحياة العامة.
وشدد على ضرورة أن يسير تطوير المناهج بالتوازي مع تطوير البيئة التعليمية نفسها، موضحًا أنه لا معنى لتعليم الطالب قيم المساواة بينما يواجه التمييز، أو الحديث معه عن نبذ العنف دون وجود آليات فعالة للوقاية من العنف المدرسي، أو تعليمه احترام الاختلاف دون منحه مساحة حقيقية للتعبير عن رأيه.
وأشار الخبير الحقوقي، إلى ملف تعزيز ثقافة حقوق الإنسان داخل المدرسة يمكن أن ينعكس بصورة مباشرة على العملية التعليمية، فالطالب الذي يشعر بالأمان والاحترام ويتمتع ببيئة تعليمية خالية من العنف والتنمر والإقصاء يكون أكثر قدرة على التركيز والتفاعل والتحصيل.
وأوضح أن بناء الإنسان نفسيًا واجتماعيًا وأخلاقيًا ليس منفصلًا عن بناء قدراته العلمية، وإنما يمثل أحد الشروط المهمة لنجاح العملية التعليمية، مؤكدًا أن حقوق الإنسان في التعليم ليست مادة تضاف إلى المنهج، وإنما قيمة حاكمة للمنظومة التعليمية بأكملها، تبدأ من السياسات التعليمية وتمتد إلى المناهج وتدريب المعلمين وإدارة المدارس وطبيعة العلاقة بين المعلم والطالب وبين الطلاب أنفسهم.
واختتم فاروق بالتأكيد على أن الاستثمار في تعليم حقوق الإنسان هو في حقيقته استثمار في الإنسان نفسه، موضحًا أن حقوق الإنسان ليست مجرد نصوص أو التزامات قانونية، وإنما هي ثقافة وسلوك ووعي واحترام للكرامة الإنسانية، مضيفًا أنه إذا كان الهدف هو بناء مجتمع أكثر عدلًا ومساواة وقدرة على إدارة الاختلاف بصورة سلمية وحضارية، فإن نقطة البداية الطبيعية يجب أن تكون المدرسة.




