أن يقاضي ناشر صحيفة عسكرية ورئيس تحريرها ومراسلة فيها الوزارة التي تمولها، ليس نزاعاً وظيفياً مألوفاً في واشنطن. لكن إقالة مسؤولي «ستارز آند سترايبس»، بعد دفاعهم عن استقلالها التحريري، وضعت البنتاغون (وزارة الحرب الأميركية) أمام سؤال يتجاوز مصير ثلاثة موظفين: أين تنتهي سلطة الوزارة في إدارة الصحيفة، وأين يبدأ تدخلها في مضمونها؟
تزداد دلالة القضية لدى تزامنها مع قيود على حركة مراسلي الدفاع، واستبعاد صحافيين من اجتماعات لوزارة الخزانة، وتجدد دعاوى الرئيس دونالد ترمب على مؤسسات إعلامية، فضلاً عن تغييرات واسعة في قيادة المؤسسة العسكرية. بالتالي، بين تأكيد الإدارة أنها تحمي المعلومات الحساسة وتفرض الانضباط، وتحذير منتقديها من إخضاع الإعلام والمؤسسات لاختبارات الولاء، بات الخلاف يدور حول الجهة التي ترسم حدود الخبر المستقل عندما تكون الحكومة مموّلاً للصحيفة، ومصدراً للمعلومة، وموضوعاً للتغطية في الوقت نفسه.
إريك سلافين (ستارز آند سترايبس)
استقلال على المحك
بدأت القضية عندما أخطرت وزارة الحرب ناشر «ستارز آند سترايبس» ماكس ليديرر، ورئيس تحريرها إريك سلافين، والمراسلة لارا كورتي، بإنهاء خدماتهم في 21 أغسطس (آب) المنصرم، عازية القرار إلى «العصيان».
وذكرت تقارير صحافية أن كورتي وسلافين كانا قد دافعا في مقابلة مع شبكة «سي بي إس» عن استقلال الصحيفة، ورفض ليديرر طلباً بإقالتهما. وردّ الثلاثة برفع دعوى اتحادية اتهموا فيها الوزارة بالانتقام منهم بسبب كلامهم، وبسبب تغطية أوضاع البحارة على حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لنكولن» إبّان مهمتها الطويلة المرتبطة بـ«حرب إيران». أما «البنتاغون» فلم يعلق على الاتهامات التفصيلية، وتمسّك بوصف المخالفة إدارياً.
ومنح تدخل القضاء القضية بعداً يتجاوز نزاعاً وظيفياً. فقد وافقت الوزارة على إبقاء الثلاثة في إجازة إدارية وتأجيل تنفيذ الإقالة حتى جلسة عقدت في 4 سبتمبر (أيلول) الحالي. وقضت المحكمة بالسماح مؤقّتاً بالمضي في الإقالات، ليس بسبب حق «البنتاغون» في الرقابة، بل لأن كلام كورتني وسلافين مع الشبكة جاء ضمن واجباتهما الوظيفية، لا بصفتهما مواطنين يحظون بحماية التعديل الدستوري الأول. ومع ذلك لم يحسم الحكم أصل الدعوى المتعلق باستقلالية الصحيفة.
لارا كورتي (بوليتيكو)
نوصي بقراءة: «حواليس»… تنبش في تاريخ ممتد لأكثر من قرن
خصوصية النزاع
خصوصية النزاع أن «ستارز آند سترايبس» ليست صحيفة خاصة عادية ولا نشرة علاقات عامة عسكرية. بل هي مموّلة جزئياً من وزارة الحرب، لكن القواعد الناظمة لعملها تشدد على تدفق الأخبار من دون إدارة أو رقابة، وعلى عدم حجب الأخبار السلبية عمداً. ولهذا أثارت خطة «التحديث» التي بدأها «البنتاغون» هذا العام اعتراضات واسعة: فلقد قيّدت استخدام وكالات الأنباء، وربطت المحتوى بمقتضيات «النظام والانضباط»، وأُقيلت أمينة المظالم المكلفة حماية الاستقلال، ثم عُيّن ضابط في الخدمة نائباً للناشر. وتدّعي الوزارة أن على الصحيفة أن تحمي المعلومات المصنّفة (سرّيةً أو شبه سرّية) وتتفادى ما يضرّ بالأمن القومي؛ لكن المُعترضين يخشون أن يتحوّل معيار أمني مشروع إلى باب فضفاض للتدخل في الاختيارات التحريرية.
ماكس ليديرر (ستارز آند سترايبس)
من «البنتاغون»… إلى الخزانة
لا تقف المسألة عند الصحيفة العسكرية. فمنذ الخريف الماضي، فرض «البنتاغون» قواعد اعتماد اعترضت عليها معظم المؤسسات الكبرى، بما فيها وسائل محافظة، لأنها قد تعرّض الصحافي لفقدان بطاقته إذا سعى إلى معلومات لم تجز الوزارة نشرها، حتى عندما لا تكون سرية.
وفي مارس (آذار) قضت محكمة اتحادية بأن أجزاء من السياسة تنتهك التعديلين الأول والخامس، لكن الوزارة أصدرت قواعد بديلة شملت تقييد الحركة واشتراط المرافقة. ثم في يونيو (حزيران)، صُنّف المكتب الصحافي مساحة مخصّصة للتعامل مع معلومات حسّاسة، ومُنع المراسلون من دخوله.
وهكذا انتقل الخلاف من سؤال حول حماية الأسرار إلى سؤال أوسع عن مقدار الوصول اللازم كي تظلّ الرّقابة الصحافية ممكنة. وامتد الجدل إلى وزارة الخزانة التي رفضت اعتماد مراسلين من صحيفتي «نيويورك تايمز» و«وول ستريت جورنال» وقناة «بلومبرغ» لتغطية اجتماعات وزراء مالية «مجموعة العشرين» في مدينة آشفيل بولاية نورث كارولينا. وأفادت الخزانة بأن نحو 300 إعلامي من 12 دولة حصلوا على وصول واسع، وأن التغطية ينبغي أن تلتزم الوقائع لا أن تطارد النقرات والإثارة. كذلك ذكّر الوزير سكوت بيسينت بأن الاستبعاد لا يتعلّق بوجهات النظر، لكن الوزارة لم تقدّم تفسيراً محدداً لاختيار المراسلين المُستبعَدين، ما أبقى الشُّبهة قائمة لدى المؤسّسات الثلاث، لا سيما مع وجود حرب وعقوبات وتضخّم وأسواق سندات على جدول الاجتماع.
من جانب آخر، حدّث ترمب دعوى تشهير يطالب فيها «نيويورك تايمز» ودار «بنغوين راندوم هاوس» للنشر بـ15 مليار دولار، مضيفاً تفاصيل يدّعي أنها تثبت تعمّد الإضرار بسمعته التجارية والسياسية. ويُذكر أنه سبق للمحكمة رفض الصيغة الأولى لإفراطها في الطول والاستطراد، قبل إعادة تقديمها؛ في حين تؤكد الصحيفة دقة عملها، وتقول إن الشكوى لا تثبت «سوء النّية الفعلي» المطلوب قانوناً. وللعلم، الدعاوى حقٌ متاح لأي متضرِّر، لكن كثرتها، مقترنة بقيود الوصول، هي ما يدفع منظّمات الصحافة إلى التحذير من أثر «ترهيبي» حتى عندما تنتهي بعض القضايا بالرفض.




