فرضت بلديات الجنوب الليبي نفسها مجدداً على واجهة الصراع السياسي بين الحكومتين المتنافستين في شرق البلاد وغربها، بعد قرار الحكومة المكلفة من البرلمان في بنغازي، برئاسة أسامة حماد، إيقاف 12 عميد بلدية عن العمل وإخضاعهم للتحقيق، وذلك على خلفية زيارتهم العاصمة طرابلس، ولقاء مسؤولين في حكومة «الوحدة الوطنية» وفي الشركة العامة للكهرباء.
ولم يصدر عن حكومة حماد حتى الآن تعليق يوضح ملابسات القرار، أو طبيعة المخالفات المنسوبة إلى العمداء، في وقت أثارت فيه الخطوة اعتراضاً من العمداء المعنيين، الذين رأوا أن تحركاتهم إلى طرابلس جاءت في إطار متابعة احتياجات مناطقهم، والتنسيق حول ملفات خدماتية.
نائب رئيس حكومة الوحدة الوطنية في غرب ليبيا سالم الزادمة (حسابه الرسمي في «فيسبوك»)
ولا تبدو الواقعة معزولة عن سوابق شهدتها العلاقة بين حكومة حماد وعدد من عمداء البلديات. فقبل عامين اتخذت سلطات شرق ليبيا إجراءات بحق عمداء شاركوا في اجتماع مع عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» في طرابلس، في خطوة أثارت حينها انتقادات محلية، على خلفية ما اعتُبر تدخلاً في عمل المجالس البلدية، وانعكاساً للانقسام السياسي على الإدارة المحلية.
بدا منذ اللحظة الأولى لصدور قرار وزارة الحكم المحلي بحكومة حماد تمسك العمداء الموقوفين بصحة موقفهم، في بيان مشترك مساء الثلاثاء، قائلين إن زيارتهم لطرابلس جاءت «في إطار التواصل والتنسيق» بشأن احتياجات مناطقهم الخدمية، وأعربوا عن استغرابهم من اتخاذ إجراءات بحقهم، لافتين إلى مشاركة عمداء بلديات أخرى في لقاءات مماثلة من دون أن تتخذ إجراءات مماثلة في حقهم.
وطالب العمداء بتطبيق القانون «بمعيار واحد»، وإعادتهم إلى ممارسة أعمالهم ما لم تثبت بحقهم مخالفات قانونية، وأكدوا احترامهم للقانون واختصاصات مؤسسات الدولة، ونفوا أن تكون زياراتهم إلى طرابلس مرتبطة بأي مخالفات مالية أو إدارية، مشددين على أن هدفها الأساسي كان متابعة احتياجات السكان، والتنسيق بشأن الخدمات المقدمة إليهم.
وضمّ البيان عمداء بلديات غات والعوينات وجرمة، والرقيبة والوادي الشرقي ومرزق والشرقية وزويلة، إضافة إلى تجرهي والقطرون وبراك الشاطئ وبرقن الشاطئ.
اقرأ ايضا: حين يسأل العرب الذكاء الاصطناعي قبل الطبيب
ويعيد القرار إلى الواجهة مدى تأثر الإدارة المحلية في ليبيا بالانقسام بين المؤسسات التنفيذية في الشرق والغرب، خصوصاً في المناطق الجنوبية، التي ترتبط احتياجاتها الخدمية، من كهرباء ومياه وبنية تحتية، بمؤسسات وهيئات تعمل في مناطق تخضع لسلطات مختلفة.
معدات كهربائية في طريقها للجنوب الليبي (صفحة تابعة لحكومة الوحدة)
ويحمل التعامل مع عمداء البلديات في هذا السياق بعداً يتجاوز الإجراءات الإدارية، بحسب مراقبين، ذلك أن المجالس البلدية المنتخبة تمثل حلقة اتصال مباشرة بين السكان ومؤسسات الدولة، فيما قد يؤدي إدخالها في مسارات التجاذب السياسي إلى تعقيد قدرتها على متابعة الملفات الخدمية، التي تتطلب في كثير من الأحيان التواصل مع جهات تقع خارج نطاق السلطة المحلية.
وانتقدت الناشطة السياسية، رانيا عبد السلام عثمان، العضو المؤسس في «التجمع السياسي الوطني فزان»، ما وصفته باستجواب وتهديد عدد من عمداء بلديات الجنوب، بسبب توجههم إلى طرابلس للبحث عن حلول للأوضاع الخدمية. وقالت، في منشور عبر «فيسبوك»، إن «معاناة الناس ليست تهمة، والسعي في خدمتهم ليس جرماً»، داعية إلى تمكين الإدارات المحلية من التواصل مع مؤسسات الدولة المختلفة.
كما أثارت الواقعة تساؤلات ناشطين ومدونين حول مدى اتساق الإجراءات المتخذة بحق العمداء مع المساعي الدولية المعلنة لتوحيد مؤسسات الدولة.
وبحسب المحلل السياسي خالد الشارف، فإن ثمة «ديناميكية تحرك للخلف تتسارع في التعطيل بخطوات بين أطراف الصراع، كلما اقترب بصيص أمل في حل الأزمة الليبية». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن هذه الممارسات أصبحت من «العلامات البارزة لمحطات الانقسام السياسي في ليبيا»، مبرزاً أن انعكاساتها تصل إلى مستويات الإدارة المحلية والخدمات اليومية.
وتأتي أزمة البلديات في وقت تشهد فيه ليبيا مساراً سياسياً جديداً تقوده الأمم المتحدة، بعد أن وقّعت لجنة «4+4» في 30 أغسطس (آب) اتفاقاً بشأن استكمال خريطة الطريق السياسية، يتضمن ترتيبات للانتخابات، وإعادة تشكيل مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، في مسعى لإنهاء المرحلة الانتقالية وتوحيد المؤسسات.
وتزامن ذلك مع استمرار الحديث عن مبادرات دولية، تهدف إلى تقريب مواقف الأطراف الليبية وتوحيد السلطة التنفيذية والمؤسسات السيادية. غير أن استمرار الخلافات على مستويات محلية، ومنها إدارة البلديات، وعلاقة المجالس المنتخبة بالسلطات المركزية، يبرزان أن مسار توحيد المؤسسات لا يزال يواجه اختباراً يتجاوز التفاهمات السياسية العليا.




