بدت مدينة ماغدبورغ، عاصمة ولاية ساكسونيا-أنهالت، غداة فوز حزب «البديل من أجل ألمانيا»، الاثنين، هادئة ساكنة، لا يربطها الكثير بالفوضى والصدمة التي تسببت بها نتائج الانتخابات المحلية التي شهدتها قبل يوم. فالولاية الصغيرة لا يتعدى عدد سكانها مليوني نسمة؛ ولكنها أصبحت أول ولاية ألمانية يفوز فيها حزب يميني متطرف منذ النازيين ويملك حظوظاً حقيقية بالحكم.
المرشح الأبرز لحزب «البديل من أجل ألمانيا» أولريش سيغموند (يسار) يتحدث في برلين الاثنين غداة فوز حزبه في الانتخابات المحلية في ساكسونيا – أنهالت (إ.ب.أ)
ورغم الفوز الكبير للحزب الذي ناهزت نسبة الأصوات التي حظي بها الـ44 في المائة، فإن طريقه إلى الحكم لن يكون سهلاً، ذلك أن كل الأحزاب الأخرى تعهدت بعدم التحالف معه. ولكن تلميح حزب صغير جديد من أقصى اليسار هو «حزب فاغنكناشت»، بأنه لن يعرقل وصول «البديل من أجل ألمانيا» إلى السلطة، قد يكون مفتاح الحزب المتطرف الذي يتلمّس طريقه ويتطلع لقيادة الولاية. ويتعين الآن على البرلمان أن ينعقد خلال 30 يوماً من الانتخابات والتصويت لرئيس حكومة الولاية. وقال نجم حزب «البديل من أجل ألمانيا» الذي قاد الحزب لهذا النصر، أولريش زيغموند، إنه سيتواصل مع كل الأحزاب ويدعوها للتحالف لتشكيل حكومة، رغم معرفته المسبقة بأن الجواب سيكون سلبياً.
المستشار الألماني فريدريش ميرتس متحدثاً في برلين الاثنين غداة خسارة حزبه في ولاية ساكسونيا-أنهالت (د.ب.أ)
ويمكن في المقابل للأحزاب الأخرى مجتمعة أن تشكل حكومة، ولكن ذلك قد يكون صعباً بسبب رفض الحزب المسيحي الديمقراطي الذي يرأسه المستشار الألماني فريدريش ميرتس، التحالف مع حزب «دي لينكا» من أقصى اليسار. كما أن تحالفاً شبيهاً قد يؤدي إلى تمرد داخل الحزب وانقسامات كبيرة. ويرفض كثيرون من حزب ميرتس أن يرأس حزب حكومة وهو لم يحظَ بأكثر من 17 في المائة من الأصوات.
أما زيغموند الشاب (35 عاماً) الذي حقق لـ«البديل من أجل ألمانيا» أكبر فوز له حتى الآن، فهو يصر على عدم ترؤس حكومة أقلية. ويقول إنه يريد قيادة حكومة مستقرة تحظى بالأغلبية حتى ولو تطلب ذلك إعادة الانتخابات. وبحسب القانون، يتعين على البرلمان التصويت لاختيار رئيس حكومة يجب أن ينجح بالأغلبية في التصويتين الأول والثاني ولكن في التصويت الثالث يفوز من يحصل على أكبر عدد من الأصوات. وفي حال امتنع «حزب فاغنكناشت» عن التصويت كما قالت زعيمته، فيمكن حينها أن يفوز زيغموند برئاسة الحكومة ويشكل حكومة أقلية. ولكن عملها سيكون صعباً، إذ سيتعين عليها جمع الأكثرية قبل تمرير أي قانون.
اقرأ ايضا: الاتحاد الأوروبي يسمح لكييف بشراء أسلحة بريطانية باستخدام قرضه
برلمان ساكسونيا – أنهالت المحلي في مدينة ماغدبورغ (أ.ف.ب)
وتتطابق خطط الحزب اليميني المتطرف مع خطط «حزب فاغنكناشت» الشعبوي في الكثير من المجالات، مثل الهجرة وتأييد إعادة العلاقات مع روسيا. ولكن من غير الواضح إلى أي مدى قد يحظى حزب البديل بتأييد في سياساته الأكثر تطرفاً، مثل فصل طلاب المدارس الأجانب ومن أصول مهاجرة عن الطلاب الألمان وإقامة صفوف خاصة.
وتثير خطط حزب «البديل من أجل ألمانيا» للولاية قلقاً كبيراً بين المهاجرين الذين بات يفكر عدد كبير منهم في ترك الولاية. ويقول طارق رجب، رئيس قسم إعادة تأهيل أمراض عصبية في عيادة خاصة في ماغدبورغ، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إنه يفكر جدياً في الانتقال إلى ولاية أخرى بسبب المخاوف من المستقبل الغامض. ويقر بأنه يبحث عن «مكان آمن» يمكنه أن يقدم فيه الخدمات والكفاءات المطلوبة «من دون مخاوف». وأكثر ما يخيف طارق الذي وصل لاجئاً من سوريا قبل 10 سنوات، وحصل على الجنسية الألمانية، هو مستقبل ولديه اللذين يبلغان من العمر عامين و3 أعوام وما زالا في الروضة. ويقول إنه شعر بالصدمة عندما اطلع على برنامج حزب «البديل من أجل ألمانيا» حول المهاجرين وخططه لفصل الأطفال من أصول مهاجرة «لأنهم سيضعونهم في صفوف منفصلة يشرف عليها مدرسون أجانب تمهيداً للترحيل».
ويشكو لاجئ سوري آخر من مخاوف بشأن تعرض زوجته المحجبة لمضايقات بعد فوز «البديل» بسبب تزايد مشاعر الكراهية ضد المسلمين والأجانب. ويقول هو أيضاً إنه يفكر في مغادرة الولاية مع زوجته وأولاده. ومقابل مخاوف المهاجرين، تبدو الصدمة واضحة كذلك على مناصري الأحزاب الأخرى الذين لم يتوقعوا أن يحقق الحزب المتطرف النجاح الذي حققه. وقد عبّر عن ذلك المستشار الألماني فريدريش ميرتس الذي مُني حزبه بخسارة تاريخية وانخفضت أصواته إلى النصف في الولاية بنسبة لم تتعدَّ الـ17 في المائة. وقد اعترف ميرتس في كلمة ألقاها غداة الانتخابات بـ«خسارة هي الأقسى» التي يمنى بها حزبه منذ سنوات، قائلاً: «لم نتوقع» أن تأتي النتائج على هذا الشكل.
وكان ميرتس قد تعهد خلال حملته الانتخابية قبل عامين بأن يقلص تأييد حزب «البديل من أجل ألمانيا» إلى النصف، ولكن العكس هو الذي حصل، على الأقل في ولاية ساكسونيا أنهالت. وأضاف أنه ستكون هناك ارتدادات لخسارة حزبه الذي حكم الولاية الشرقية لـ28 عاماً، وأنه «لا يمكن المضي قدماً وكأن شيئاً لم يحصل».
وبنى حزب «البديل من أجل ألمانيا» الكثير من شعبيته في ولاية ساكسونيا-أنهالت بانتقاد حكومة برلين ودعمها لأوكرانيا و«إهدارها أموال دافعي الضرائب» على دعم أوكرانيا بدلاً من استثمارها في الولاية. وتعاني الولايات الشرقية من حرمان مقارنة بالولايات الغربية وتبدو بشكل واضح أفقر منها. كما أن معدل مستوى المرتبات فيها أقل من المرتبات في الولايات الغربية.
ويبدي الكثير من سكان الولاية استياءهم من ذلك، وقال هانو، أحد السكان وهو في السبعينات من العمر، ورفض التصويت، إنه لم يجد أن أياً من الأحزاب تطرق إلى أساس مشكلة الولاية، وهي غياب التنمية وانخفاض المرتبات مقارنة بالولايات الغربية. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن حزب «البديل من أجل ألمانيا» لا يقدم أي حلول في هذه المجالات وأنه لا يعطيه أي أمل. ولكن الكثير ممن هم في عمر الشباب يرون العكس؛ وقد أظهرت استطلاعات أن شعبية الحزب مرتفعة بين الشبان الذين هم بين 18 و24 عاماً. وينشط الحزب بشكل كبير على وسائل التواصل الاجتماعي، ولدى زيغموند مثلاً نحو مليوني متابع على «إنستغرام» و«تيك توك» و«فيسبوك».




