الرئيسيةالوطن العربيالسعوديةالنشاط العلمي والثقافي في الكويت منذ نهاية القرن الـ19

النشاط العلمي والثقافي في الكويت منذ نهاية القرن الـ19

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

في دراستها التي حملت عنوان: كتاب: «الحياة العلمية والثقافية في الكويت (1899 – 1961)»، تناولت الباحثة السعودية في التاريخ الحديث مشاعل بنت سعد الرويس، الحياة العلمية والثقافية في الكويت منذ عام 1899، وهو العام الذي شهد توقيع اتفاقية الحماية بين الكويت وبريطانيا.

يبحث الكتاب الذي يقع في 446 صفحة، نشأة الحياة العلمية والثقافية في الكويت وتطورها كما يكشف عن طبيعة العلاقة بين التحولات السياسية والاقتصادية من جهة، ونمو النشاط العلمي والثقافي من جهة أخرى. وقد كان الكتاب في الأصل رسالة دكتوراه نوقشت في قسم التاريخ بجامعة الملك سعود.

ركود ثقافي

تقول الباحثة إن الكويت كانت شبه خالية من أوجه النشاط العلمي والثقافي حتى نهاية القرن التاسع عشر الميلادي؛ فقد مرّت الحياة الثقافية في الكويت منذ نشأتها وحتى عام 1316هـ / 1899م بمرحلة من الركود الثقافي، سواء أكان ذلك في الأنشطة التعليمية أم المكتبات أم الأندية والصحافة المحلية.

واتسمت هذه المرحلة بشبه عزلة للمجتمع الكويتي عن الحياة الثقافية في العالم؛ وقد ترجع هذه العزلة الثقافية إلى طبيعة الحياة الصعبة في الكويت في تلك الحقبة؛ حيث كان الكويتيون يسعون أولاً في مجتمع بدائي من أجل الحصول على لقمة العيش، إضافة إلى أن التعليم في الكويت كان تعليماً تقليدياً مشابهاً لما كان سائدة آنذاك في بقية إمارات الخليج العربي، ومن ثَمّ لم يكونوا في وضع يساعدهم على الدخول أو المشاركة في أي اتجاه ثقافي حينها.

النهضة الثقافية

ثم بدأت بوادر النهوض بالوعي الثقافي منذ نهاية القرن التاسع عشر الميلادي؛ فالنشاط الثقافي في الكويت في الفترات السابقة لتأسيس الدولة ونظام الحكم واكتشاف النفط كان على المستوى الأهلي أو الشعبي بجهد تطوعي قام به أصحاب المال من الموسرين مثل الأمراء وكبار التجار.

وأسهمت نشأة المدارس في تطور الحياة التعليمية والثقافية في المجتمع الكويتي في هذه الفترة، ومنها:

المدرسة المباركية: التي فتحت أبوابها في أول محرم عام 1330هـ / 22 ديسمبر (كانون الأول) 1911م بتبرع عدد من رجال الدولة والوجهاء، عندما طرح بعض رجال العلم والرأي فكرة إنشاء مدرسة نظامية في الكويت وعلى رأسهم (يوسف بن عيسى القناعي). وقد أُطلق عليها اسم «المباركية» تقديراً من هؤلاء المؤسسين للشيخ مبارك الصباح.

تلاها افتتاح المدرسة الإرسالية التبشيرية الأميركية، تم افتتاحها عام 1911م على يد الطبيب الأميركي (إدوين كالفرلي – Edwin Calverley) واهتمت بالتعليم.

ثم مدرسة الجمعية الخيرية، وكان افتتاحها في مارس (آذار) 1913م من مؤسسها (فرحان فهد آل خالد)، وهو من أسرة كويتية مشهورة كثيرة السفر للتجارة.

أما المدرسة الأحمدية، فقد اُفتتحت في مطلع عام 1921م، وكان الشيخ أحمد الجابر أول المتبرعين والمساهمين في إنشائها من خلال تبرعه بأرض، إضافة إلى تبرع سنوي بمبلغ ألفي روبية من دخله الخاص، كما أسهم عدد من رجال الكويت وأعيانها وتجارها إسهاماً كبيراً في إقامتها.

إضافة إلى ذلك، ساهمت مدارس الكتاتيب هي الأخرى في نشاط الحركة التعليمية في الكويت إبان تلك الفترة، ومن أبرزها: مدرسة العامرية، والسعادة، والملا مرشد، والإرشاد الأهلية.

ونظراً لازدياد عدد المدارس والحاجة الماسة لتنظيم عملها، تم إنشاء مجلس المعارف عام 1936م. وعلى أثره أصدر المجلس نظاماً للتعليم سُمي «قانون المعارف الكويتي» عام 1937م لتنظيم العملية التعليمية من خلال رسم خطة لها، ووضع مناهج الدراسة، وتعيين الأعضاء، وانتخاب المرشحين، ووضع اللوائح القانونية للأنظمة الخاصة به، والذي بات نواة لوزارة التربية الكويتية فيما بعد. وأصبح المجلس هو المسؤول عن الإنفاق على التعليم وتمويله بعد أن كان يعتمد كلياً على التبرعات.

قد يهمك أيضًا: مصادر لـ«الشرق الأوسط»: تأشيرة« شنغن» خلف تأخر الثلاثي عن معسكر النصر

النفط والتعليم

وبموجب الحماية البريطانية على الكويت، كان لبريطانيا سلطة في رسم السياسات التعليمية باستغلال نفوذها الواسع في المنطقة العربية، مثل: التدخل في اختيار المدرسين من الدول العربية، وإيقاف دخول بعض المدرسين إلى الكويت بسبب اتجاهاتهم السياسية، والتحكم في البيئة المدرسية من خلال مستشارين بريطانيين.

ثم تولت السلطة الحكومية الكويتية المسؤولية كاملة في الإنفاق على المجال التعليمي بعد اكتشاف النفط وتصدير أول شحنة من النفط الخام من حقولها بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية في عهد الشيخ أحمد الجابر.

وقد شكلت عائدات النفط مورداً مهماً، وبناءً عليه بدأت المؤسسات التعليمية بالانتشار، ورُصدت ميزانيات الصرف على النشاط الثقافي بعد ازدياد عدد المثقفين، واضطلع المستثمرون والمؤسسات الثقافية بدورهم في التطور الفكري. وبعد وفاة الشيخ أحمد، تولى الشيخ عبد الله السالم الحكم عام 1950م، فشهدت الكويت في عهده تطوراً كبيراً في الخدمات التعليمية كما تقدمت وتوسعت كثيراً بعد أن رُصدت ميزانية ضخمة خُصصت لها.

كما يتضح أن صادرات النفط الكويتي شكلت عوائد مالية أحدثت تغيراً ملحوظاً في جميع نواحي الحياة في المجتمع الكويتي، ومنها – بلا شك – إحداث نقلة حضارية ونهضة تعليمية شاملة في العمارة الحديثة لبناء المدارس؛ فتحولت من المدارس الطينية الضيقة إلى مدارس ضخمة مبنية من الطوب الإسمنتي والخرسانات المسلحة، وأُنشئت على طراز معماري حديث، فعُدَّت من أجمل المدارس الحديثة في العالم العربي؛ إذ احتوت على ملاعب وصالات ومسارح كبيرة وقاعات واسعة تتوفر فيها جميع الوسائل التعليمية والمكتبات المليئة بالكتب الحديثة والمراجع.

وكان التعليم في مدارس الكويت مجانياً بجميع مراحله الدراسية؛ حيث كانت تُوزع على جميع الطلاب الكتب والقرطاسية والملابس ووسائل النقل المجانية، فضلاً عن توفر الرعاية الطبية للجميع. وكان التركيز على التغذية جزءاً مكملاً للنشاط التربوي والصحي؛ إذ احتوت بعض المدارس على مطاعم خاصة بها، أما المدارس التي لا يوجد بها مطاعم فكان يتم تزويدها من المطبخ المركزي لدائرة المعارف.

ومما ينبغي ذكره مشاركة الكويت في المؤتمر العربي الثاني لوزراء المعارف العرب الذي عُقد في الإسكندرية عام 1950م لتطوير التعليم. وبعد حضور المؤتمر، طلب المسؤولون في مجلس المعارف زيارة مستشارين عرب لدراسة نظام التعليم في مدارس الكويت ووضع تقرير مفصل يشمل جميع الملاحظات والمقترحات المهمة.

كما شملت مظاهر التطوير والتغيير شتى النواحي الثقافية، وقد أدت النهضة التعليمية في الكويت مجتمعةً إلى نهضة فكرية وثقافية في الإمارة عموماً، من خلال الدور الفعَّال للأندية الثقافية والفكرية في نمو الوعي السياسي داخل المجتمع الكويتي على الصعيدين المحلي والقومي؛ حيث: انتُخب أول مجلس شورى عام 1921م، وضمَّ اثني عشر عضواً من وجهاء الكويت. تلاه المجلس التشريعي الأول عام 1938م بعد موافقة الشيخ أحمد الجابر على تأسيسه في 2 يوليو (تموز) 1938م واختيار الشيخ عبد الله السالم رئيساً له. ثم تشكيل مجلس استشاري لإدارة شؤون البلاد عام 1939م أُطلق عليه المجلس التشريعي الثاني برئاسة الشيخ عبد الله السالم.

وأبرزت الكاتبة إسهامات العلماء والمثقفين في إثراء الحياة العلمية في الكويت من خلال دروسهم وما يقدمه القضاة والوعاظ والفقهاء في مجالسهم؛ ومن أشهرهم: (محمد بن عبد الله محمد العدساني)، (عبد الله بن خالد العدساني)، و(عبد الله بن خلف الدحيان) وغيرهم. وقد وضع هؤلاء اللبنات الأولى للنهضة التعليمية الحديثة في الكويت من حيث المناهج والاستعانة بالخبرات التعليمية وغير ذلك من الآليات الحديثة التي ساعدت على تطور التعليم.

كما ذكرت الدراسة عدداً من العلماء في الكويت ومؤلفاتهم العلمية وإجازاتهم، وأبرزت دورهم السياسي في بعض المواقف التي عاصروها إقراراً أو رفضاً؛ فلم يقتصر دور العلماء على الجانب التعليمي أو التربوي أو الدعوي فحسب، وإنما أسهموا في توجيه الأحداث السياسية، ومنها قيادة النضال الشعبي ضد البريطانيين.

كما شكلت آراء المثقفين ومؤلفاتهم ومواقفهم مناخاً لا يقل أهمية عن دور العلماء؛ ومنهم: (يوسف بن عيسى القناعي)، (عبد العزيز بن أحمد الرشيد)، (أحمد مشاري العدواني)، و(أحمد محمد الخطيب) وغيرهم؛ إذ أسهموا إبان فترة الدراسة في الإصلاح الاجتماعي والسياسي بدولة الكويت، وبرز تأثيرهم السياسي منذ العقد الثالث حتى السادس من القرن العشرين.

ولم يقف الأثر الناجم عن تطور الحياة العلمية والثقافية في الكويت خلال فترة الدراسة على المستوى المحلي الداخلي فحسب، وإنما امتدت آثاره للبلدان المجاورة من خلال إقامة المدارس وإرسال البعثات التعليمية والتكفل بدفع مرتباتهم، علاوة على تطوير المناهج الدراسية في بعض إمارات الساحل المتصالح (العُماني) – مثل إمارة الشارقة – لدعم التعليم الحديث في مدارسها؛ فعندما بعث حاكم إمارة الشارقة صقر بن سلطان القاسمي عام 1952م مستشاره إلى الكويت لإيفاد عدد من المعلمين، أرسلت دائرة المعارف الكويتية بناءً على ذلك وفداً إلى الشارقة برئاسة مدير المعارف عبد العزيز حسين عام 1953م. وعلى أثر ذلك، دعمت الكويت التعليم أيضاً في كل من إمارة دبي، وإمارة عجمان، وأم القيوين وغيرها.

ولم يقتصر الدور الكويتي في مجال التعليم والثقافة على حدود البلدان العربية المجاورة، بل أخذ منحى الدور الإسلامي ككل؛ فقد أوضحت الدراسة الدور الذي لعبته الكويت في هذا المضمار في الهند، وذاك نتيجة الإقامة الطويلة لبعض التجار الكويتيين والعرب وعائلاتهم في الهند وباكستان، تحقيقاً لرغبة المسلمين في تعليم أبنائهم اللغة العربية ومبادئ الدين الإسلامي.

وقد تم افتتاح مدرسة في مدينة بومباي الهندية في منتصف القرن العشرين (وتحديداً عام 1952م) وقامت بابتعاث المدرسين إليها؛ ومنهم عدد من المدرسين المصريين الذين أرسلتهم الحكومة الكويتية بعائلاتهم للاستقرار هناك والعمل في تلك المدرسة التي أصبحت مركزاً ومنارة للعلم يفد إليها الراغبون في التعلم من أبناء الجاليات العربية والإسلامية في الهند.

كما نالت باكستان جانباً مهمّاً من الاهتمام والرعاية الكويتية في مضمار التعليم والثقافة؛ حيث أنشأت الحكومة الكويتية مدرسة في كراتشي الباكستانية في العام التالي مباشرة لتأسيس مدرسة بومباي. وقد أسهمت كلتا المدرستين بلا شك في تعليم اللغة العربية والقرآن الكريم وعلومه، وبذلك يتجلى الدور الكويتي البارز في خدمة اللغة العربية والدعوة الإسلامية في تلك البلاد غير العربية، ونشاطها في الحفاظ على الهوية العربية والمد الإسلامي منذ عقود طويلة.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

الأكثر شهرة

- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

احدث التعليقات