إن التعب يُعدّ من أكثر العلامات المبكرة شيوعاً للحمل، وقد يستمر طوال أشهر الحمل. وسواء كنتِ بالكاد تستطيعين إكمال يومكِ أو تحتاجين إلى قيلولة أكثر من المعتاد، فإنّ هذا التعب جزء لا يتجزأ من رحلة الحمل، حيث يشعر معظم النساء بأقصى درجات التعب خلال الأشهر الثلاثة الأولى والثالثة من الحمل. وبالنسبة للبعض منهن، قد يبدأ هذا الشعور في وقت مبكر يصل إلى أسبوع واحد بعد الإخصاب.
إرهاق الحمل
ولذا قد يسأل أحدهم: إذا كان من الطبيعي أن تعاني المرأة الحامل من التعب خلال حملها، فما هو إرهاق الحمل Pregnancy Fatigue، وما تأثيراته؟
إن إرهاق الحمل بالتعريف الطبي يتجاوز مجرد الشعور بالنعاس والتعب. إنه نوع من الإرهاق الذي لا يزول دائماً بمجرد أخذ وقت من الراحة. وخلال حملكِ يبذل جسمكِ جهداً كبيراً لدعم نمو طفلكِ، وهذا يتطلب الكثير من الطاقة. ويقول أطباء «جون هوبكنز» في الولايات المتحدة: «إرهاق الحمل هو شعور بالإرهاق الجسدي والنفسي الشديد والمستمر، وقد يتجلى ذلك في خمول العضلات، والحاجة المستمرة إلى الراحة، والتشوش الذهني».
ومن ناحية التأثيرات السلبية، يُشكّل إرهاق الحمل عبئاً ثقيلاً من جوانب متعددة تتعدى المرأة الحامل نفسها. فاجتماعياً، يُقيّد الإرهاق الأنشطة اليومية للحامل، ويُلحق الضرر بالعلاقات الشخصية للحامل داخل الأسرة وخارجها. ومع انخفاض جودة الحياة للحامل، ومع تفاقم هذه المشكلة بسبب مضاعفات شائعة أخرى في الحمل كفقر الدم أو الغثيان، يُضعف الإرهاق بشدة قدرة المرأة على أداء الأعمال المنزلية الروتينية، والتواصل الاجتماعي، ورعاية الأطفال الآخرين. ويرتبط بالتالي ذلك الإرهاق المزمن أثناء الحمل ارتباطاً وثيقاً بزيادة الضغط النفسي والمعاناة الذاتية.
ناهيك عن الضغط الطبي، حيث قد تتجاوز التكاليف غير المباشرة لمشاكل صحة الأم (مثل الإرهاق) تكاليف العلاج المباشرة للحمل المستقر.
واقتصادياً، يتسبب في ارتفاع معدلات التغيب عن العمل وارتفاع نسبة «الحضور غير الفعال» إلى العمل؛ ما يُكبّد أصحاب العمل خسائر بمليارات الدولارات على مستوى العالم.
أسباب الإرهاق الشائعة
ولكن دعونا نستكشف لماذا قد يُشعركِ الحمل بهذا الإرهاق الشديد، وماذا يعني ذلك لصحتكِ، وما يمكنكِ فعله لتشعري بتحسّن؟
إن هناك تغيرات عدة في جسمك قد تؤدي إلى الشعور بالإرهاق أثناء الحمل. والأسباب الشائعة للإرهاق أثناء الحمل تشمل:
• الهرمونات: ارتفاع مستويات هرمون البروجسترون يجعلك تشعرين بالنعاس والخمول.
• زيادة حجم الدم: ينتج جسمك المزيد من الدم لدعم نمو طفلك؛ ما يزيد من جهد القلب والأعضاء.
• انخفاض مستوى السكر في الدم وضغط الدم: قد تُشعركِ هذه التغيرات بالضعف أو الدوار.
• غثيان الصباح: قد يُسبب الغثيان والقيء الجفاف؛ ما يزيد من شعوركِ بالتعب.
• التوتر النفسي: القلق بشأن طفلكِ أو صحتكِ أو المستقبل قد يُرهقكِ نفسياً وجسدياً.
• انخفاض مستوى الحديد: في المراحل الأخيرة من الحمل قد تُصابين بفقر الدم؛ ما يُسبب إرهاقاً إضافياً. سيقوم طبيبك بفحص ذلك خلال الزيارات الدورية.
وحول أسباب الشعور بالتعب الشديد أثناء الحمل، وكيفية التغلب على هذا الإرهاق، توضح استشارية أمراض النساء والتوليد في «كليفلاند كليك» الدكتورة أليسون ستالزر، قائلة: «في بداية الحمل، يبذل جسمكِ جهداً كبيراً لتهيئة الظروف اللازمة لنمو الجنين بشكل صحي، وهذا يتطلب طاقة كبيرة. وأولاً، هناك التغيرات الهرمونية التي تُهيئ الجسم للشعور بالنعاس. وارتفاع مستويات هرمون البروجسترون تحديداً قد يُسبب لكِ الإرهاق الشديد. وعلاوة على ذلك، يزداد حجم الدم خلال الحمل؛ ما يجعل قلبكِ يبذل جهداً أكبر مع كل نبضة. ورغم أنكِ لا تلاحظين ذلك، فإن مواكبة هذا الجهد يتطلب جهداً إضافياً كبيراً. كما أن العبء النفسي والعاطفي للحمل قد يكون مُرهقاً أيضاً. والتخطيط، والقرارات التي يجب اتخاذها، ومواعيد المتابعة الطبية، والقلق، والانفعال، والتساؤلات المالية، كل ذلك قد يُشغل حيزاً كبيراً من تفكيركِ، ويجعلكِ تشعرين بالإرهاق الشديد. ولاحقاً، قد تستنزفكِ ضغوط الحمل الجسدية. الآلام، والانزعاج، والذهاب المتكرر إلى الحمام في منتصف الليل. وهذا كله يتراكم، وقد يجعلكِ تشعرين وكأنكِ على وشك الانهيار».
وعادةً ما يصل إرهاق الحمل إلى ذروته في منتصف الثلث الأول من الحمل، أي في الأسبوع السادس إلى الثامن تقريباً. ولكن، بالطبع، قد يشعر بعض النساء بانخفاض طاقتهن قبل ذلك أو بعده.
ولمزيد من التوضيح والتحليل لأسباب الإرهاق خلال مراحل الحمل الثلاث (كل ثلاثة أشهر):
1. الثلث الأول: انخفاض الطاقة. عادةً ما يكون التعب في ذروته خلال الأسابيع الاثني عشر الأولى. حيث يعمل جسمكِ على تكوين المشيمة والتكيف مع مستويات الهرمونات الجديدة.
اقرأ ايضا: رحلة عبر 28 حرفاً… معرض في الرياض يوثِّق حكاية اللغة العربية من النقوش إلى التقنيات
2. الثلث الثاني: بعض الراحة. يشعر كثير من النساء بمزيد من النشاط بين الأسبوعين الثالث عشر والثامن والعشرين. ولذا؛ استمتعي بهذه الفترة.
3. الثلث الثالث: المرحلة الأخيرة. مع زيادة نمو طفلكِ، غالباً ما يعود التعب. قد يصبح النوم أصعب، ويكتسب جسمكِ وزناً إضافياً.
وتؤكد الدكتورة ستالزر: «عادةً ما يكون التعب في أسوأ حالاته خلال الثلث الأول من الحمل. ثم، في الثلث الثاني، تشعرين بنشاطٍ ملحوظ. وفي الثلث الثالث، قد يعود التعب مجدداً. وفي الثلث الثالث، غالباً ما يرتبط التعب بصعوبة النوم والشعور العام بعدم الراحة». وتوضح أن سبب التعب في الثلث الأول من الحمل يعود إلى الهرمونات. ولكن مع اقتراب نهاية الحمل، يصبح النعاس أقل ارتباطاً بتغيرات الجسم، وأكثر ارتباطاً بعبء حمل البطن الكبير طوال اليوم، وتأثير ذلك على نومك ليلاً.
وبغض النظر عن التأثيرات الاجتماعية والاقتصادية لإرهاق الحمل، قد تسأل الحامل: كيف يؤثر إرهاق الحمل على صحتي وصحة حملي؟ وللإجابة، يُعدّ التعب الخفيف طبيعياً، لكن التعب الشديد أو المستمر قد يُصعّب الحياة اليومية. وقد يؤدي إلى:• تبني عادات غذائية سيئة.
• قلة النشاط البدني.
• تقلبات مزاجية مؤثرة.
• صعوبة في التركيز.
وفي حالات نادرة، قد يكون التعب علامة على مشكلة صحية مثل فقر الدم، أو مشاكل الغدة الدرقية، أو سكري الحمل، أو اكتئاب ما قبل الولادة. ولذا؛ تأكدي من استشارة طبيبك أو قابلتك إذا شعرتِ أن هناك شيئاً غير طبيعي.
4 نصائح للتغلب على إرهاق الحمل
يفيد أطباء النساء والتوليد في «كليفلاند كلينك» أنه قد لا يكون الشعور بالتعب أثناء الحمل مريحاً عندما يرفض جسمكِ النهوض من السرير كل صباح، ناهيكِ عن صعوبة البقاء مستيقظة طوال اليوم. ورغم أن النوم الكافي قد يبدو الحل الوحيد للتخلص من هذا الشعور (وهو بالتأكيد سيساعد!)، فإن هناك طرقاً أخرى لاستعادة نشاطكِ. ومنها إليكِ بعض النصائح:
1. ممارسة الرياضة الآمنة أثناء الحمل. قد يبدو الأمر غير منطقي لبعض الحوامل، لكن تحريك جسمكِ يُحفز إفراز الإندورفين، وهي مواد كيميائية تُحسّن المزاج وتُساعد على زيادة مستويات الطاقة. استشيري طبيبكِ للحصول على توصيات بشأن التمارين المناسبة وغير المناسبة. وقد يُنصحكِ بتعديل برنامجكِ الرياضي خلال فترة الحمل.
2. حافظي على رطوبة جسمكِ. فالماء يُساعد جسمكِ على القيام بوظائفه الأساسية في رعايتكِ أنتِ والجنين. ويساعد شرب كمية كافية من الماء جميع وظائف جسمك على أداء مهامها بكفاءة أكبر، ويُقلل من استنزاف طاقتك. كيف تعرفين أنكِ تحصلين على كمية كافية؟ ابحثي عن لون البول الأصفر الفاتح.
3. قللي من الكافيين. صحيح أن جرعة مزدوجة من قهوة الإسبريسو أو مشروب الطاقة المُفضل لديكِ قد تبدو مُغرية الآن، لكن الحد من استهلاك الكافيين إلى 200 مليغرام كحد أقصى يومياً (ما يُعادل فنجانين صغيرين من القهوة) أمرٌ مهمٌ لحمل صحي. علاوة على ذلك، فإن الشعور بالإرهاق الشديد بعد تناول الكافيين لن يُساعدكِ على التخلص من التعب.
4. تناولي غذاءً متوازناً. نعم، قد يكون من الصعب تناول طعام صحي أثناء الحمل، خاصةً مع الشعور بالتعب والغثيان (إن وُجد). لكن إذا استطعتِ اتباع نظام غذائي صحي غني بالفواكه والخضراوات والبروتين الخالي من الدهون، فسيُساعد ذلك على تغذية جسمكِ والحفاظ على مستويات طاقتكِ مرتفعة. لستِ متأكدة من أين تبدئين؟ إليكِ (في الفقرات اللاحقة من الموضوع) بعض الأطعمة التي تُساعد على مُكافحة التعب.
ويجيب أطباء النساء والتوليد في «كليفلاند كلينك» عن سؤال: متى تجب استشارة الطبيب؟، بقولهم: «نعم، التعب أمر طبيعي خلال فترة الحمل. لكن الإرهاق الشديد الذي يستمر حتى الثلث الثاني من الحمل قد يكون علامة على وجود مشكلة صحية كامنة. وخلال مواعيد المتابعة قبل الولادة، سيقوم طبيب النساء والتوليد أو القابلة بفحصكِ للتأكد من عدم وجود أمراض الغدة الدرقية، والتي قد تُسبب مضاعفات أثناء الحمل وتزيد من شعوركِ بالنعاس. وانقطاع النفس النومي قد يكون مصدر قلق أيضاً، خاصةً إذا تم تشخيصكِ به أو كنتِ مُعرضة لخطر الإصابة به قبل الحمل.
الخلاصة، إذا كان التعب يؤثر على حياتكِ اليومية، فتحدثي مع طبيبكِ لاستبعاد وجود أي مشكلة صحية كامنة. وقد يقترح عليكِ أدوية آمنة أثناء الحمل لمساعدتكِ على الحصول على الراحة التي يحتاج إليها جسمكِ». وبعض التعب جزء طبيعي من الحمل، لكنكِ أدرى بجسمكِ. لا تترددي في إخبار طبيبكِ إذا شعرتِ بأي شيء غير طبيعي. وتحديداً، عليكِ الاتصال بمقدم الرعاية الصحية إذا كنتِ:
• تشعرين بالتعب المستمر دون أي تحسن.
• تعانين من الدوار، أو ضيق التنفس، أو خفقان القلب.
• تعانين من أرق شديد.
• تشعرين باليأس أو الاكتئاب.




