كشفت دراسة استراتيجية حديثة أصدرها المركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية، أن الحكومة المصرية اقرت في أواخر شهر أكتوبر من العام 1968 تكوين منظمات الدفاع الشعبي المحلية بمختلف المحافظات ، وذلك في إطار خُطَة إعداد الدولة للحرب، لتقوم تلك المنظمات بِدعم الخطوط الخلفية للجبهة، عبر تنفيذ إجراءات وقائية لتأمين المنشأت الحيوية، ولقد انقسمت مُهِمة تلك المُنَظمَات بين الحراسة والدفاع المدني، لتتولى وزارة الحربية وفق القانون تدريب جماعات الحراسة المُسَلَحة، فيما قامت وزارة الداخلية وفقا لاختصاصها بتدريب المتطوعين وطلاب الجامعات على أعمال الحماية المدنية، بهدف مُقابلة تأثير ضربات العدو الجوية، والتخفيف من آثار النكبات والكوارث العامة ، لترصد تقارير الجرائد في تلك الفترة فاعليه تلك الجهود، فدائمًا ما سبق المواطنون قوات الحماية المدنية في إنقاذ الضحايا وإخماد النيران بداخل المدن والتجمعات الحضرية، حتى أصبح التضافر المجتمعي سمة الجبهة الداخلية وقت حربي الاستنزاف وأكتوبر.
شاءت الأقدار أن تنال الشُرطَة المصرية، شأنها شأن القُوّات المُسَلحَة، شرف تقديم دماء أبناءها لأجل وطننا المُفَدى، بالعمق المصري وعلى خط الجبهة، أثناء حربي الاستنزاف وأكتوبر، حيث تذكر لنا السِجلات الرسمية أخبار استشهاد جنود حراسة بصعيد مصر إثر غارات جوية إجرامية على أهداف مَدَنيّة لا تمت للقتال وأعمالهُ بصِلة، كما تعددت حوادث استشهاد رجال المطافي، إثر تعاملهم مع آثار الاعتداءات بالقذف المدفعي على مدن القناة الثلاث، ومنطقة الزيتيات، ومنها مثالا حادثة يوم 10 مارس 1969، حينما أرتقى 51 شهيد من قوات الإطفاء بسبب انفجار صهريج مازوت كانت قد أصابته القذائف، وفَشِلت محاولات إخماد نيرانه .
قد يهمك أيضًا: محطات بارزة فى مسيرة تطوير منظومة الطيران المدنى خلال النصف الأول من 2026
على الجانب الأخر، شاركت قوات الشرطة بمجهود حربي فعلي أثناء معارك حرب أكتوبر، حيث يذكر شهود عيان من القوات المسلحة في تلك الفترة كيف عاونت الشرطة المدنية نظيرتها العسكرية في تحريك الكتائب والأولية على مختلف الطرق البرية حتى وصولهم لمِنطقة القناة، والإبقاء على تواجد العناصر الشُرَطيّة بمُختَلف أقسام ومراكز محافظات القناة الثلاث أثناء حرب الاستنزاف رغم تهجير السكان، بهدف تثبيت الأمن وحماية مُمتَلكات المُهجّرين لحين عودتهم، ما خفف الحمل عن القوات المسلحة وحمى ظهرها بتلك المنطقة الحساسة ، كما استُخدِمت خطوط الاتصالات الشُرَطَية للتواصل مع القيادات في القاهرة، وقت أن حاولت قوات العدو قطع منظومة الاتصالات العسكرية عن القوات المصرية في غرب القناة أثناء الثغرة.
وعلى ذكر تلك الأخيرة، تمتلئ صفحات المراجع بتفاصيل مُبِهرة عن دور ومشاركة قوات الاحتياطي المركزي (المسماة لاحقا الأمن المركزي) في حصار القوات الإسرائيلية، التي حاولت التسلسل لما وراء خط وقف إطلاق النار يوم 22 أكتوبر 1973، كي تحتل مدينتي السويس والإسماعيلية ، حيث تحركت قوة من 1000 ضابط وجندي شُرطَة لحماية الإسماعيلية، مُسَلحَين ببنادق أتوماتيك، وهاونات عيار 60 مم، وقنابل يدوية، وزجاجات ملوتوف، وقنابل مضادة للدبابات ، وما أهل تلك القوات لمِثل هكذا مُهِمة هو ما حصلت عليه قبل الحرب من تدريبات عسكرية راقية على أعمال الإغارة، ونصب الكمائن، وتمييز طائرات العدو، ومقاومة الهابطين بالمِظلات، وتنفيذ الدوريات الجبلية والصحراوية، ما عكس صِحة ورجاحة الرؤية المستقبلية لقيادات الدولة وقت تدشين أعمال تلك القوات في عام 1971، حيث استشرفت إمكانية الاستفادة من تلك القوات شبه العسكرية في أعمال حربية نوعية.
فقدت الشرطة المصرية في العام 1973 ثلاثة وثمانين شهيدًا، ارتقى إثنين وأربعون منهم بمُحافظات القناة الثلاث على إثر العمليات الحربية ولقد استشهد غالبية الضحايا بمحافظة بورسعيد بواقع سبعة وعشرين حالة، حيث نال القصف الجوي والقذف المدفعي من مناطق عِدة بمدينتي بورفؤاد وبورسعيد، تلتها محافظة السويس التي لم تكن الأحوال الحربية فيها بأفضل من سابقتها، ما أدى لاستشهاد احد عشر حالة، فيما سجلت محافظة الإسماعيلية ارتقاء أربع حالات.




