جددت مصر تمسكها بحقها في نهر النيل، وقال الرئيس عبد الفتاح السيسي، الاثنين، إن حصة مصر المائية «حق تاريخي راسخ لا نقبل المساس به»، في وقت صعَّدت فيه إثيوبيا لهجتها وحذرت من أعمال وتحركات زعمت أنها «تمت عبر وكلاء» بهدف «زعزعة الاستقرار».
وخلال ترؤسه اجتماع المجلس الأعلى للقوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الجديدة، في إطار احتفالات مصر بذكرى «حرب أكتوبر 1973»، قال الرئيس المصري إن «النيل هو شريان الحياة لمصر، وأساس وجودها عبر آلاف السنين، وحصة مصر المائية هي حق تاريخي وقانوني راسخ، لا يقبل الانتقاص منه أو المساس به»، حسب إفادة رسمية للرئاسة المصرية.
وأضاف: «مصر، كما كانت دائماً، تمد يدها بالتعاون والتنمية المشتركة، مع أشقائها في دول حوض النيل، ولن تسمح في الوقت ذاته، بأي إجراء يمس أمنها المائي، وستواصل الدفاع عن هذه الحقوق بكل الوسائل التي يكفلها القانون الدولي».
كما شدد على ضرورة الحفاظ على حرية الملاحة، في الممرات البحرية الدولية.
السيسي يلقي كلمة يوم الاثنين في إطار احتفالات مصر والقوات المسلحة بذكرى حرب أكتوبر (الرئاسة المصرية)
في المقابل، ربطت وزارة الخارجية الإثيوبية في بيان، الاثنين، بين ملفي النيل والبحر الأحمر، وقالت إنها «منبع نهر أباي، أو النيل الأزرق، وإنه يسهم بنحو 85 في المائة من تدفقات النيل»، مضيفةً أن أي نقاش بشأن استخدام النهر وإدارته يتعين أن يأخذ هذه «الحقائق الأساسية» في الاعتبار.
وشددت أديس أبابا على ارتباطها «الجغرافي والتاريخي» بالبحر الأحمر، رغم كونها دولة حبيسة، مشيرةً إلى أن أقرب نقطة من حدودها لا تبعد سوى نحو 30 ميلاً عن ساحل البحر الأحمر، وأن أي ترتيبات للأمن الإقليمي أو مناقشات بشأن الشؤون البحرية ينبغي أن تأخذ «المصالح المشروعة لإثيوبيا» في الاعتبار.
وقالت الخارجية الإثيوبية إن «الحقائق الجغرافية والتاريخية لا يمكن تغييرها بالخطاب السياسي أو الإجراءات القسرية أو أعمال زعزعة الاستقرار»، مضيفةً أن «التحركات التي تتم عبر وكلاء أو أعمال العدوان لن تغيّر الحقائق على الأرض، ولن تنتقص من مصالح إثيوبيا المشروعة ودورها ومسؤولياتها في المنطقة»، دون تسمية دول بعينها.
اقرأ ايضا: وزير النفط العراقى: الأزمة بدأت تتهاوى
جاء البيان الإثيوبي بعد ساعات من «إعلان العلمين المشترك» الصادر عن القمة التشاورية التي جمعت الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والرئيس الإريتري أسياس أفورقي، والرئيس الصومالي حسن شيخ محمود، ورئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان، والذي أكد «احترام سيادة واستقلال وسلامة أراضي دول المنطقة، ورفض التدخل في شؤونها الداخلية»، مشدداً على أن حوكمة البحر الأحمر هي مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، كما أكد ضرورة احترام قواعد القانون الدولي المنظِّمة للأنهار العابرة للحدود.
ويُرجع مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير رخا أحمد حسن، «تكرار الاتهامات الإثيوبية» إلى «تأزم الوضع الداخلي»، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «إثيوبيا تعاني أزمة داخلية كبيرة وتحاول استغلال الأحداث والخلافات الخارجية في التخفيف من الضغوط الداخلية، مدعيةً وجود أطراف داعمة للإطاحة بحكومة آبي أحمد، بدلاً من الاعتراف بأزمتها الداخلية وعدم قدرتها على احتواء المعارضة».
كانت إثيوبيا قد اتهمت «قوى أجنبية» بمساندة جماعات مسلحة تقاتل الحكومة الفيدرالية، وأشارت إلى مصر والسودان وإريتريا، وهو ما نفته القاهرة مراراً. وقال وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، السبت، إنه «لا شأن لمصر بما يجري داخل إثيوبيا».
ويؤكد بجاشاو ميتيكو أبرا، الباحث والمحاضر في العلوم السياسية والعلاقات الدولية بجامعة «بحر دار»، أن «الطموح الإثيوبي للوصول إلى البحر يستند بالفعل إلى احتياجات استراتيجية واقتصادية طويلة الأجل، لكن الضغوط الداخلية لعبت دوراً مهماً في توقيت التصعيد وطريقة تقديم الملف سياسياً».
وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «تصاعد الصراعات الداخلية والضغوط الاقتصادية والانقسام السياسي دفع الحكومة إلى تسريع تحركها البحري واستخدامه لإعادة صياغة الخطاب الوطني وحشد المشاعر القومية».
وأضاف: «الأزمات في تيغراي وأمهرة وأوروميا يمكن أن تزيد استعداد الحكومة لتحمُّل مخاطر أكبر في السياسة الخارجية، إذ تصبح التحركات الخارجية وسيلة لإظهار القوة وحشد المشاعر الوطنية وتحويل الانتباه عن الأزمات الداخلية، حتى إذا ترتب عليها توتر دبلوماسي مع دول الجوار».
وأعلنت إثيوبيا في الأول من أكتوبر (تشرين الأول) دبلوماسياً مصرياً «شخصاً غير مرغوب فيه» وطالبته بالمغادرة خلال 48 ساعة، فردَّت القاهرة بالمثل تجاه دبلوماسي إثيوبي. وتزامن ذلك مع إغلاق إثيوبيا سفارتها في أسمرة وطرد عشرة دبلوماسيين إريتريين، قبل أن تعلن إريتريا قطع علاقاتها الدبلوماسية مع أديس أبابا.
وفي محاولة لاحتواء تداعيات التصعيد، دعت مفوضية الاتحاد الأفريقي، مطلع أكتوبر، مصر وإثيوبيا وإريتريا إلى «أقصى درجات ضبط النفس»، لكن القاهرة أبدت اعتراضاً على إدراجها ضمن بيان يتعلق بالأزمة، معتبرةً أن في ذلك «زجاً بمصر في قضية إثيوبية داخلية».
وفي توضيح لاحق، أكدت مفوضية الاتحاد الأفريقي، الأحد، أن بيانها «لم يكن القصد منه، بأي حال من الأحوال، إسناد مسؤولية ما يجري إلى أيٍّ من دول الجوار»، موضحةً أن الدعوة إلى خفض التصعيد جاءت في أعقاب طرد دبلوماسيين من العواصم الثلاث.




