لم يعد الحضور الاستثماري السعودي في المحافل الرياضية الدولية ينحصر في الأنماط التقليدية للرعايات التجارية أو الاستحواذات العابرة، بل تحول إلى ريادة فكرية واستراتيجية تُعيد صياغة مفاصل الاقتصاد الرياضي العالمي من جذوره.
ومن قلب العاصمة البريطانية لندن، وتحديداً من ملعب «ستامفورد بريدج» العريق الذي يحتضن قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) سنوياً، عكس المحور السعودي رفيع المستوى عمق التحول الهيكلي الذي تقوده المملكة، والانتقال الفعلي من مرحلة استضافة الفعاليات الموسمية إلى مرحلة ابتكار بيئة استثمارية وتنموية مستدامة قادرة على قيادة مستقبل القطاع عالمياً.
وتأتي الجلسة الاستثنائية التي رعاها صندوق الاستثمارات العامة لتضع النقاط على الحروف حول كيفية صناعة «القوة الرياضية العظمى»، من خلال تكامل استراتيجي فريد يجمع بين التمويل السيادي الذكي، وتطوير البنية التحتية العملاقة، والتميز التشغيلي غير المسبوق، مما يجعل من التجربة السعودية مرجعية اقتصادية جديدة تتماشى مع طموحات ومستهدفات «رؤية السعودية 2030».
جمعت منصة قطاع الأعمال والقيادة بالقمة نخبة من صناع القرار وأصحاب الاختصاص الذين يقودون هذا التحول الاستراتيجي على أرض الواقع؛ حيث شارك في الجلسة كل من العنود الثنيان رئيسة الرعايات والفعاليات في صندوق الاستثمارات العامة، وفراس شريف رئيس الاستثمارات الرياضية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالصندوق، وذلك لاستعراض الأبعاد التمويلية والرؤية الاقتصادية بعيدة المدى للمملكة.
وفي جانب التطوير البنيوي والتميز التشغيلي للمنشآت، شهدت الجلسة نقاشاً موسعاً بمشاركة خافيير كامبل الرئيس التنفيذي لشركة «radia»، ومارك آرتشر المدير التنفيذي لاستراتيجية الرياضة والشراكات في مشروع القدية، لتسليط الضوء على كيفية تحويل الخطط الهندسية والاستثمارية الطموحة إلى أصول حية تسهم في تعظيم العوائد وخلق الفرص المستدامة.
العنود الثنيان رئيسة الرعايات والفعاليات في صندوق الاستثمارات العامة تتحدث خلال الجلسة (الشرق الأوسط)
تاريخياً، ركزت معظم الاستثمارات الضخمة في الرياضة على شراء حقوق البث أو رعاية قمصان الأندية الكبرى لتحقيق انتشار سريع ومؤقت للعلامة التجارية، غير أن الاستراتيجية السعودية الحالية تعتمد على الاستثمار الإنشائي المادي كأولوية قصوى لتأسيس قواعد راسخة للقطاع. ويمر هذا التحول عبر ضخ رؤوس أموال غير مسبوقة في بناء الملاعب الحديثة، ومراكز التدريب المتطورة، والمناطق الترفيهية المحيطة بها، انطلاقاً من رؤية اقتصادية ترى أن امتلاك الأصول المادية المتقدمة هو الضمان الوحيد لجذب النخب الرياضية وأصحاب الحقوق ومجموعات الرعاية العالمية على المدى الطويل.
ويبرز مشروع القدية كركيزة أساسية ومثال حي لهذه الرؤية البنيوية؛ فبناء منشآت نوعية مثل حلبة السباقات العالمية ومركز التنس الوطني بمواصفات هندسية فائقة لا يستهدف فقط استضافة جولة أو بطولة عابرة، بل يهدف إلى خلق بيئة تحتية دائمة قادرة على احتضان المعسكرات التدريبية والبطولات القارية طوال العام، مما يضمن رفع الكفاءة الاستثمارية للأصل العقاري والرياضي وتحويله إلى قطاع منتج ومستدام يحقق عوائد ملموسة.
تصفح أيضًا: تواصل الإدانات الخليجية والعربية للهجمات الإيرانية على الكويت والبحرين وقطر والأردن
وتواجه الدول التي تستضيف أحداثاً رياضية كبرى تاريخياً معضلة تُعرف باسم «الملاعب المهجورة»، وهي المنشآت الضخمة التي تفقد وظيفتها وحيويتها بعد انتهاء المنافسات وتتحول إلى عبء مالي وإداري على الحكومات، غير أن النموذج السعودي استبق هذا التحدي بالتركيز على التميز التشغيلي قبل سنوات من استضافة المسابقات الكبرى.
وتكاملت هذه المنظومة من خلال إطلاق شركة «radia» التابعة لشركة «سرج للاستثمار الرياضي» المملوكة للصندوق، وبالتحالف مع رواد التشغيل والترفيه في العالم مثل Live Nation وOak View Group، لضمان استمرارية الفعاليات وحيويتها بصورة دائمة.
وتتمثل الفلسفة الأساسية لشركة «radia» في تحويل الملاعب والصالات الرياضية من منشآت تعمل فقط في أيام المباريات الموسمية إلى وجهات حية ترفيهية وثقافية وتجارية تعمل على مدار العام دون انقطاع.
ويضمن هذا الدمج الذكي بين الرياضة والترفيه تدفقات مالية مستدامة تحمي الأصول من انخفاض قيمتها السوقية، كما يسهم في الوقت ذاته في خلق آلاف الوظائف الدائمة للكوادر الوطنية الشابة في مجالات الإدارة والتسويق والضيافة، مما يعزز الأثر المحلي للاستثمارات السيادية.
الجلسة الاستثنائية التي رعاها صندوق الاستثمارات وضعت النقاط على الحروف حول كيفية صناعة القوة الرياضية العظمى (الشرق الأوسط)
إعادة صياغة معايير العائد وهندسة الإرث نحو 4302
وتجاوزت الرؤية الاستثمارية لصندوق الاستثمارات العامة المفاهيم التقليدية للعائد المالي المباشر الذي ينحصر في مبيعات التذاكر، حيث بات المعيار السعودي الجديد يرتكز على جعل الرياضة مساهماً رئيسياً في الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي، وتنشيط قطاع السياحة الرياضية ومضاعفة جاذبية السوق المحلية أمام المستثمرين الأجانب.
ويرتبط هذا العائد المالي بالأثر الاجتماعي المستدام، حيث تسهم الاستثمارات في رفع معدلات المشاركة الرياضية المجتمعية محلياً وتطوير بيئة مثالية لممارستها، مما ينعكس على تحسين الصحة العامة للمواطنين وخلق مجتمع حيوي ونشط.
ويمثل كأس العالم لكرة القدم لعام 2034 المحطة الأبرز في هذه الطموحات، ولكن هذا الحدث لا يُنظر إليه كهدف نهائي يقف تنفيذه عند المباراة الختامية، بل يُعامل كمسرّع تنموي شامل يخدم الأجيال القادمة. وتُصمم جميع الاستثمارات الحالية التي نوقشت في قمة لندن من ملاعب ومناطق ترفيهية لتكون متوافقة مع خطة عمل واضحة وصارمة لما بعد البطولة، بحيث تكون البنية التحتية الرياضية جاهزة فوراً لدعم نمو الدوريات المحلية، وجعل المملكة المركز الإقليمي الأول للأعمال الرياضية في الشرق الأوسط ونظاماً بيئياً متكاملاً قادراً على النمو الذاتي.




