الرئيسيةالاخبار العاجلةالسودان: الأسر البديلة... حلّ فرضته الحرب لأزمة الأطفال فاقدي السند

السودان: الأسر البديلة… حلّ فرضته الحرب لأزمة الأطفال فاقدي السند

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

مع انهيار الخدمات الأساسية بفعل الحرب في السودان، أصبحت المؤسسات التي كانت تؤوي مئات الأطفال فاقدي السند عاجزة عن أداء دورها، فيما أخذت الوفيات تزداد بين هذه الفئة الأشد هشاشة.

وأمام هذا الواقع القاتم، اضطرت حكومة ولاية الخرطوم إلى التخلي عن نموذج الرعاية المؤسسية الذي ظل معمولاً به لسنوات، والتوجه نحو الكفالة الأسرية، بوصفها الخيار الأكثر أماناً واستدامة.

وفرض إغلاق دور الرعاية اختباراً عملياً لنظام الأسر البديلة، وأعاد إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً: هل يستطيع السودان بناء منظومة حماية اجتماعية تجعل الأسرة، لا المؤسسة، الملاذ الأول للأطفال فاقدي الرعاية، مع ضمان الرقابة وصون حقوقهم؟

وتحدّث وزير التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم، صديق فريني، عن تفاقم معاناة الأطفال فاقدي السند والرعاية الوالدية جرّاء الحرب، وما أفرزته من أوضاع مأساوية داخل دور الرعاية، في ظل توقّف المستشفيات، وانقطاع الكهرباء، وشحّ الوقود، وتراجع التمويل، وانتشار التهاب السحايا.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «كانت الولاية تفقد في بعض الفترات نحو 14 طفلاً يومياً، قبل أن يبلغ إجمالي الوفيات 69 طفلاً، ما دفع السلطات إلى إجلاء 301 طفل إلى ود مدني عاصمة ولاية الجزيرة، وتوفي أحدهم أثناء الرحلة، ثم جرى دمج عدد منهم في أسر كافلة بولايتي الجزيرة وسنار، ونُقل نحو 253 طفلاً إلى ولاية كسلا. ولم يتبقَّ حالياً سوى 26 طفلاً بعد نجاح برنامج الكفالة الأسرية».

وزير التنمية الاجتماعية بولاية الخرطوم صديق فريني (الشرق الأوسط)

واستطرد: «تراجع الرقابة، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وضعف قدرة الأسر على الرعاية، وانتشار المخدرات، كلها أسهمت في زيادة أعداد الأطفال فاقدي الرعاية»، لافتاً إلى أن دور الإيواء التي كانت تستقبل أطفالاً من مختلف الولايات دُمّرت، ما دفع الحكومة، بالتنسيق مع المنظمات الدولية، إلى اعتماد الكفالة الأسرية بديلاً للرعاية المؤسسية.

وأضاف أن الحكومة كانت تُخصص نحو 80 في المائة من ميزانية الولاية لرعاية هؤلاء الأطفال، مشيراً إلى أن كثيراً منهم كان يُعثر عليهم في مكبات النفايات، أو أماكن مهجورة، وبعضهم تعرّض لهجمات من الحيوانات، ما استدعى رعاية طبية ونفسية مكثفة.

وأكد أن إعادة إنشاء مؤسسات الإيواء في الظروف الحالية تُمثل «انتحاراً وفشلاً جماعياً»، منوِّها بأن تجربة الكفالة الأسرية في الجزيرة وكسلا «أثبتت نجاحها في توفير بيئة أسرية مستقرة تضمن للأطفال التعليم والصحة والتنشئة السليمة».

آثار الحرب واضحة على إحدى دور الأطفال فاقدي الرعاية (الشرق الأوسط)

وكشف عن خطة لتخصيص عنابر بالمستشفيات لاستقبال الأطفال الذين يُعثر عليهم، قبل إلحاقهم بأسر كافلة، بمشاركة أمهات بديلات وباحثين اجتماعيين لمتابعة أوضاعهم.

وأشار إلى استمرار تسجيل ما بين 6 و7 حالات تخلٍّ عن أطفال أسبوعياً، مؤكداً مواصلة التنسيق مع الشركاء الدوليين، والاستفادة من توصيات «اليونيسف» لتطوير سياسات الحماية، وقال: «التحدي الأكبر يتمثل في محدودية الإمكانات، لا غياب الإرادة».

قد يهمك أيضًا: نواف سلام وأردوغان يؤكدان إحياء اتفاقية التبادل التجاري الحر بين لبنان وتركيا

ويقول علي جباي، المتطوع بوزارة الرعاية الاجتماعية ومستشفى النو، وصاحب مبادرة «طيور الجنة» لرعاية الأطفال فاقدي الرعاية الأبوية، إن الدولة بدأت منذ عام 2004 في التحول من نظام الإيواء المؤقت داخل دور الرعاية إلى نظام الأسر البديلة، موضحاً أن دور الرعاية كانت تستقبل الأطفال لفترة محدودة قبل نقلهم إلى أسر بديلة بعد استكمال الإجراءات اللازمة.

وأضاف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن الحرب أدت إلى توقف عمل دار رعاية الأطفال فاقدي الرعاية الأبوية، الأمر الذي سرّع إجراءات إلحاق الأطفال بالأسر البديلة.

جثمان طفل حديث الولاية عثر عليه في حي الثورة بأم درمان بعد وفاته في الحضَّانة (مبادرة «طيور الجنة»)

وقال: «في السابق كان الطفل يمكث في الدار نحو شهرين، أما الآن فينتقل إلى أسرة دائمة خلال أسبوع تقريباً، بعد استكمال الدراسات الاجتماعية والتحقق من أهلية الأسرة»؛ مؤكداً أن الهدف الأساسي هو دمج الطفل في بيئة أسرية مستقرة بأسرع وقت ممكن، حتى ينشأ في ظروف أقرب إلى الطبيعية.

وأوضح أن مبادرة «طيور الجنة» تعمل على توفير الاحتياجات الأساسية للأطفال، بما في ذلك الحليب والملابس والحفاضات والعلاج، إلى جانب ترشيح الأسر الراغبة في الكفالة، وتوفير أمهات متطوعات لرعاية الأطفال ومرافقتهم إلى حين اكتمال إجراءات التسليم للأسر البديلة.

وتسرد الباحثة الاجتماعية رندا حسن المزايا وكذلك الشروط الواجب توافرها في نظام الأسر البديلة، فتقول إنه يمكن أن يوفر بيئة أكثر استقراراً للأطفال فاقدي الرعاية الأبوية، مشيرة إلى أن بعض الأسر تتقدم للكفالة بدافع الحرمان من الإنجاب، ورغبتها في احتضان طفل.

وأكدت أن نجاح التجربة يعتمد على إخضاع الأسر الراغبة في الكفالة لتقييم دقيق يضمن قدرتها على تربية الطفل في بيئة آمنة وسليمة، وتوفير حقوقه الأساسية، وفي مقدمتها الرعاية والتعليم والاستقرار النفسي.

وشددت على أن دور الجهات المختصة ينبغي ألا ينتهي بمجرد تسليم الطفل للأسرة، بل يجب أن يستمر عبر الزيارات الدورية والمفاجئة للتأكد من أن الطفل يعيش في بيئة مناسبة، وأن حقوقه مصونة.

طفل عُثر عليه في حي الشهداء بمدينة أم درمان (مبادرة «طيور الجنة»)

وأضافت أن من المهم أيضاً إجراء مقابلات مع الطفل بعيداً عن الأسرة الكافلة، لإتاحة الفرصة له للتعبير بحرية عن شعوره ومدى ارتياحه، موضحة أن الباحثين الاجتماعيين يستطيعون من خلال هذه اللقاءات رصد أي مؤشرات تدل على تعرض الطفل لسوء المعاملة أو الإهمال.

ولفتت إلى أن بعض الأسر قد تبدو مستوفية الشروط خلال مرحلة التقييم، لكنها قد تستغل الأطفال أو لا توفر لهم الرعاية المطلوبة، وهو ما يجعل المتابعة الميدانية المستمرة أداة أساسية للتحقق من مصداقية الأسرة، واتخاذ قرار بنقل الطفل إلى أسرة بديلة أخرى إذا ثبت أن مصلحته تقتضي ذلك.

ورغم نجاح التجربة فإن الأزمة لم تنتهِ؛ فلا تزال الحرب تُفرز أسبوعاً بعد آخر أطفالاً يُعثر عليهم في مكبات النفايات والأماكن المهجورة، في مشهد يعكس الانهيار العميق الذي أصاب مؤسسات الحماية الاجتماعية.

وبين محدودية الموارد واتساع الاحتياجات، يبقى التحدي الحقيقي أمام الحكومة وشركائها هو الانتقال من الاستجابة الطارئة إلى بناء منظومة مستدامة تكفل لكل طفل حقه في الحماية والانتماء والحياة الكريمة؛ فمصير هؤلاء الأطفال لن يُحدد مستقبلهم وحدهم، بل سيكون اختباراً حقيقياً لمدى قدرة المجتمع والدولة على حماية الفئات الأكثر ضعفاً، وسط واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في تاريخ السودان الحديث.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

الأكثر شهرة

- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

احدث التعليقات