الرئيسيةالوطن العربيالسعوديةالرضاعة الطبيعية... المعرفة وحدها لا تكفي

الرضاعة الطبيعية… المعرفة وحدها لا تكفي

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

يبدأ كثير من الأمهات رحلة الرضاعة الطبيعية وهن يحملن رغبة صادقة في منح أطفالهن أفضل بداية ممكنة. لكن الأيام الأولى بعد الولادة قد تحمل تحديات لم تكن في الحسبان… من صعوبة التقام الطفل للثدي، إلى الألم والإرهاق، أو القلق من أن الحليب لا يكفي. وفي مثل هذه اللحظات، لا يكون الفارق في قوة إرادة الأم، بقدر ما يكون في وجود من يرشدها ويدعمها ويطمئنها في الوقت المناسب.

ومن هنا يبرز سؤال مهم: إذا كانت فوائد الرضاعة الطبيعية معروفة منذ عقود، فلماذا لا تزال ملايين الأمهات حول العالم يتوقفن عنها في وقت أبكر مما كنّ يخططن؟ تشير أحدث الأدلة إلى أن السبب لا يكمن غالباً في نقص المعرفة أو الرغبة، بل في غياب منظومة الدعم التي تحتاج إليها الأم منذ الساعات الأولى بعد الولادة.

ويأتي الأسبوع العالمي للرضاعة الطبيعية، الذي يُحتفل به سنوياً من الأول إلى السابع من أغسطس (آب)، ليؤكد في حملته لهذا العام (2026) أن دعم الأم ليس خطوة مكملة، بل هو الأساس الذي يحول الرغبة في الإرضاع إلى تجربة ناجحة ومستدامة. فبعد أن حسمت الأبحاث فوائد الرضاعة الطبيعية للأم والطفل، أصبح الاهتمام العالمي يتجه إلى سؤال مختلف: كيف نساعد كل أم على تجاوز التحديات التي قد تعترض طريقها، حتى تتمكن من الاستمرار في الرضاعة الطبيعية إذا رغبت في ذلك؟

الرضاعة الطبيعية أولوية صحية

• لماذا لا تزال الرضاعة الطبيعية أولوية صحية؟ لم تعد الرضاعة الطبيعية تُنظر إليها، اليوم، على أنها وسيلة لتغذية الرضيع فحسب، بل تُعد من أهم التدخلات الصحية المبكرة التي يمكن أن تؤثر في صحة الأم والطفل على المدى القريب والبعيد. ولهذا توصي منظمة الصحة العالمية ببدء الرضاعة الطبيعية في أقرب وقت ممكن بعد الولادة عندما تسمح حالة الأم والطفل بذلك، مع الاقتصار عليها خلال الأشهر الستة الأولى، ثم إدخال الأغذية التكميلية المناسبة مع الاستمرار في الرضاعة حتى عمر سنتين أو أكثر إذا رغبت الأم والطفل في ذلك.

ولا تقوم هذه التوصيات على الموروثات أو الخبرات الشخصية، بل تستند إلى تراكم كبير من الأبحاث التي أظهرت ارتباط الرضاعة الطبيعية بتحسن عدد من المؤشرات الصحية لدى الطفل، إلى جانب فوائد صحية للأم. إلا أن هذه الفوائد لا تتحقق بمجرد اتخاذ قرار الإرضاع، بل ترتبط أيضاً بقدرة الأم على البدء والاستمرار، وهو ما يفسر تحول الاهتمام العالمي في السنوات الأخيرة من التركيز على فوائد الرضاعة إلى التركيز على العوامل التي تساعد الأمهات على النجاح فيها.

* ماذا تكسب الأم والطفل؟ قد تبدو الإجابة معروفة، لكن أهمية الرضاعة الطبيعية لا تكمن في فائدة واحدة، بل في مجموعة من الآثار الصحية التي تمتد إلى كل من الطفل والأم. فقد أظهرت الدراسات أن الرضاعة الطبيعية ترتبط بانخفاض خطر إصابة الرضع بعدد من الأمراض المعدية، خاصة خلال الأشهر الأولى من الحياة، كما ترتبط بانخفاض احتمال حدوث بعض المشكلات الصحية لاحقاً. ومع ذلك، فإن هذه الحماية ليست مطلقة، بل تختلف باختلاف الظروف الصحية لكل طفل، وهو ما يجعل الرضاعة الطبيعية وسيلة لتعزيز الصحة، لا ضماناً لعدم الإصابة بالمرض. ولا تقتصر الفوائد على الطفل، إذ تشير الدراسات إلى أن الرضاعة الطبيعية ترتبط أيضاً بانخفاض خطر الإصابة بسرطان الثدي وسرطان المبيض والسكري من النوع الثاني، كما ترتبط بانخفاض خطر بعض أمراض القلب والأوعية الدموية. وتزداد هذه الفوائد عادة مع استمرار الرضاعة مدة أطول، مع تأكيد أن معظم هذه النتائج مستمدة من دراسات رصدية، لذلك يُعبَّر عنها بأنها ترتبط بانخفاض الخطر، وليس أنها تمنع الأمراض بصورة قاطعة.

وهذه الفوائد الموثقة هي التي دفعت الهيئات الصحية إلى التوصية بالرضاعة الطبيعية منذ سنوات، إلا أن الواقع يكشف عن مفارقة مهمة؛ فمعرفة الفوائد وحدها لا تكفي دائماً لضمان استمرار الرضاعة الطبيعية.

قد يهمك أيضًا: «طيران الرياض» تدرس شراء 25 إلى 30 طائرة إضافية من «بوينغ 787»

• لماذا تتوقف بعض الأمهات؟ قد يبدو الأمر متناقضاً؛ ففوائد الرضاعة الطبيعية أصبحت معروفة على نطاق واسع، ومع ذلك تشير الدراسات إلى أن كثيراً من الأمهات يوقفن الرضاعة الطبيعية الحصرية أو ينهين الرضاعة في وقت أبكر مما كنّ يخططن له. ولا يرتبط ذلك غالباً بغياب الرغبة أو ضعف الوعي، بل بمجموعة من التحديات التي قد تبدأ منذ الأيام الأولى بعد الولادة، إلى جانب غياب الدعم أو المشورة في الوقت المناسب.

وقد غيّرت هذه الحقيقة طريقة تعامل الهيئات الصحية مع الرضاعة الطبيعية. فبعد أن كان التركيز ينصب لسنوات على إبراز فوائدها، أصبح الاهتمام يتجه اليوم إلى فهم أسباب التوقف المبكر وإزالة العوائق التي تواجه الأمهات. وتشير المراجعات العلمية الحديثة إلى أن التدخل المبكر، والحصول على استشارة متخصصة، والمتابعة المستمرة، يمكن أن تساعد كثيراً من الأمهات على تجاوز هذه التحديات والاستمرار في الرضاعة الطبيعية إذا رغبن في ذلك.

مفاهيم خاطئة ودعم ضروري

• مفاهيم خاطئة عائق يمكن تجاوزه. لا تقتصر رحلة الرضاعة الطبيعية على التحديات الجسدية أو ضغوط الحياة اليومية، بل قد تعوقها أيضاً مفاهيم شائعة لا تستند إلى دليل علمي. فكثير من الأمهات يعتقدن أن بكاء الطفل المتكرر يعني بالضرورة أن الحليب غير كافٍ، أو أن الرضاعة الطبيعية يجب أن تكون سهلة منذ اليوم الأول، أو أن الألم في بدايتها أمر لا يمكن تجنبه. وقد تدفع هذه المعتقدات بعض الأمهات إلى التوقف عن الرضاعة أو اللجوء المبكر إلى بدائل حليب الأم، رغم أن كثيراً من هذه المشكلات يمكن تقييمها ومعالجتها إذا حصلت الأم على المشورة المناسبة في الوقت المناسب.

ولهذا تؤكد الهيئات الصحية أن نجاح الرضاعة الطبيعية لا يعتمد على تزويد الأم بالمعلومات فحسب، وإنما على تصحيح المفاهيم غير الدقيقة ومرافقتها خلال الأسابيع الأولى بعد الولادة. فالحصول على استشارة مبكرة عند ظهور أي صعوبة قد يساعد على تجاوز كثير من العقبات، ويمنح الأم الثقة للاستمرار، بدلاً من اتخاذ قرارات قد تكون مبنية على معلومات غير مكتملة أو نصائح غير متخصصة.

• الدعم الحلقة التي تكتمل بها رحلة الرضاعة. إذا كانت المعلومات الصحيحة تساعد الأم على تجاوز المفاهيم الخاطئة، فإن الدعم العملي هو ما يساعدها على تحويل هذه المعرفة إلى تجربة ناجحة. وتبيّن الدراسات الحديثة أن فرص استمرار الرضاعة الطبيعية تزداد عندما تحصل الأم على المساندة منذ الأيام الأولى بعد الولادة، سواء من الأسرة أو الفريق الصحي أو من خلال المتابعة بعد مغادرة المستشفى. فالإجابة عن الأسئلة، وتصحيح وضعية الرضاعة، والتعامل المبكر مع الألم أو صعوبات التقام الطفل للثدي، كلها خطوات قد تمنع تحول المشكلات البسيطة إلى أسباب للتوقف المبكر.

ويبدأ هذا الدعم من الأسرة، حيث يُسهم الأب وأفراد العائلة في تخفيف الأعباء اليومية، وتوفير بيئة هادئة تمنح الأم الوقت والثقة اللازمين للتكيف مع متطلبات المرحلة الجديدة. كما يؤدي الفريق الصحي دوراً أساسياً في تقديم المشورة المبنية على التقييم الفردي لكل أم، ومتابعتها عند الحاجة، بدلاً من الاكتفاء بالنصائح العامة.

ولا يقل دور المستشفى أهمية، إذ تشير الدراسات إلى أن الممارسات الداعمة منذ الساعات الأولى بعد الولادة، مثل تشجيع التلامس الجلدي بين الأم ووليدها، والمساعدة على بدء الرضاعة الطبيعية مبكراً عندما تسمح الحالة الصحية، ترتبط بزيادة فرص استمرار الرضاعة خلال الأشهر اللاحقة. كما أن توفير بيئة عمل تراعي احتياجات الأمهات المرضعات، وتمنحهن الوقت والتسهيلات اللازمة، يمثّل امتداداً طبيعياً لهذه المنظومة، ويعزّز قدرة كثير من الأمهات على الاستمرار في الرضاعة بعد العودة إلى أعمالهن.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

الأكثر شهرة

- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

احدث التعليقات