رصد موقع “برلماني”، المتخصص في الشأن التشريعى والنيابى، في تقرير له تحت عنوان: “الدولة الرقمية والخطر الرقمى في العصر الحديث”، استعرض خلاله أن الدولة في العصر الرقمي لم تعد تحرس حدودها عند البر والبحر والجو فقط؛ فقد نشأ إقليم جديد غير مرئي تتدفق خلاله البيانات، وتُدار فيه الأموال، وتُقدم الخدمات الحكومية، وتُحفظ السجلات الصحية والضريبية والمصرفية، وتعمل من خلاله قطاعات لا تستطيع الدولة أن تسمح بانهيارها، وهنا تغير مفهوم الأمن القومي ذاته، فإذا كان تهديد الدولة قديمًا يبدأ من اختراق حدودها، فإن الخطر الرقمي قد يبدأ من جهاز موجود في دولة أخرى، ويصيب خادمًا في دولة ثالثة، ويمس بيانات مواطنين، ويعطل مرفقًا حيويًا، وهنا يظهر السؤال الذي لم يطرحه أحد من الفقهاء: هل ما زالت السيادة في القانون المعاصر مرتبطة بالمكان، أم أصبحت مرتبطة أيضًا بالقدرة على التحكم في البيانات والأنظمة والوظائف الحيوية للدولة؟
ما نطرحه ليس ترفًا فقهيًا؛ فالدولة المصرية نفسها تتعامل الآن مع السيادة الرقمية باعتبارها قضية استراتيجية مرتبطة بالأمن القومي، كما ظهر في الخطاب الرسمي خلال 2026، مع التأكيد على حماية البيانات والبنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات والحوسبة السحابية، والبيانات أصبحت من عناصر القوة السيادية في الدولة التقليدية فكانت عناصر القوة الأرض ـ السكان ـ الموارد ـ القوات المسلحة ـ الاقتصاد، أما الدولة الرقمية فنضيف إليها عنصر جديد هو البيانات، فالبيانات ليست مجرد معلومات شخصية؛ فقد أصبحت أساسًا لاتخاذ القرار الاقتصادي والأمني والإداري، وأصبحت مراكز البيانات والحوسبة السحابية من شرايين الاقتصاد الرقمي، وقد وصف مسؤولون مصريون في 2026 مراكز البيانات بأنها من أهم شرايين الاقتصاد الرقمي، وربطوا حمايتها مباشرة بالسيادة الرقمية واستمرارية الخدمات الحيوية.
قد يهمك أيضًا: وزير السياحة وعمدة سان فرانسيسكو يفتتحان معرض كنوز الفراعنة بمتحف دى يونج
إذا كانت الدولة قد بسطت سيادتها تاريخيًا على الأرض وما عليها، فإن الدولة الرقمية مطالبة ببسط ولايتها القانونية على البيانات والأنظمة التي يتوقف عليها أمنها واستمرار وظائفها الحيوية، وليس السؤال أين توجد البيانات؟ بل من يملك السيطرة عليها؟ فقد تكون بيانات المصريين محفوظة على خادم خارج مصر، لكن السؤال ليس فقط أين الخادم؟ بل من يملك الخادم؟ من يملك مفاتيح التشفير؟ من يستطيع الوصول إلى البيانات؟ من يستطيع نقلها؟ من يستطيع حذفها؟ أي قانون يحكمها؟ أي قضاء يستطيع الأمر بالإفصاح عنها؟ هل تستطيع الدولة المصرية تنفيذ حكمها عليها؟ وإذا تعارض القانون المصري مع قانون الدولة التي يوجد فيها الخادم، فأيهما ينتصر؟
من سيادة الأرض لسيادة البيانات.. حين يصبح الأمن القومي مصريًّا في مواجهة “دولة بلا حدود” اسمها الإنترنت.. الخطر الرقمي يغير مفهوم الأمن القومي لحماية استمرارية الوظائف الحيوية للدولة في مواجهة الصدمة الرقمية




