تراجع مؤشر البطالة في مصر إلى 5.8 في المائة، خلال الربع الثاني من العام الحالي، رغم التداعيات السلبية للحرب الإيرانية على الاقتصاد المصري، في وقت يرى فيه خبراء أن استيعاب مزيد من المُشتغلين يعود بالأساس إلى القطاع الخدمي، ويرجع إلى الرغبة في زيادة أو تحسين دخول الأسر، دون أن يكشف عن نمو حقيقي في قطاعات صناعية أو وزيادة الوظائف العامة.
وتراجع معدل البطالة 0.4 في المائة منذ يناير (كانون الثاني) 2026؛ إذ كان يسجل في الربع الأخير من عام 2025 نسبة 6.2 في المائة، قبل أن يتراجع خلال الربع الأول من العام الحالي في الفترة من يناير إلى مارس (آذار) إلى 6 في المائة، ويواصل التراجع خلال الربع الثاني إلى 5.8 في المائة، حسب «الجهاز المركزي للإحصاء».
ويقيس معدل البطالة المصري نسبة الأشخاص المُتعطلين، أو من يبحثون عن فرصة عمل من الرجال والنساء في سن العمل.
إحدى المناطق الشعبية وسط القاهرة (الشرق الأوسط)
وأبدى الخبير الاقتصادي، وائل النحاس، استغرابه من تراجع المعدل رغم عدم وجود مؤشرات إيجابية بارزة للاقتصاد المصري… ويضرب مثالاً بـ«مؤشر مدير المشتريات»، الذي يعكس حجم التشغيل في القطاع الخاص غير النفطي، مشيراً إلى أنه «سجل انكماشاً كبيراً لم نصل إليه سوى في ذروة الحرب الأوكرانية عام 2022 وتأثيراتها الكبيرة على الاقتصاد المصري».
ورغم أن «مؤشر مدير المشتريات» الصادر عن مؤسسة «ستاندرد آند بورز غلوبال» سجل في شهر يوليو (تموز) الماضي تحسناً طفيفاً مقارنة بشهر يونيو (حزيران) لكنه ما زال عند 46.8 نقطة، أي دون المستوى المحايد البالغ 50 نقطة، وذلك للشهر السابع على التوالي.
وأضاف النحاس لـ«الشرق الأوسط» أن «الأرقام تبدو متضاربة لأننا إذا كنا نتحدث عن انكماش القطاع الخاص مع عدم توفر وظائف بشكل واسع في القطاع العام، فكيف تتراجع البطالة خصوصاً في ظل تداعيات الحرب الإيرانية على الاقتصاد المصري».
واضطرت الحكومة المصرية لرفع أسعار المحروقات بنسبة تراوحت بين 14 إلى 30 في المائة بعد أيام قليلة من اندلاع الحرب الإيرانية، وأرجعت ذلك لزيادة أسعار النفط العالمية، وما زالت التداعيات تتوالى، وكان آخرها قرار الحكومة بزيادة أسعار الكهرباء لكافة الشرائح الاستهلاكية عدا الشريحة الأولى ذات الاستهلاك المنخفض، بنسبة 12 في المائة.
نوصي بقراءة: تحذيرات من تصفية الطبيب حسام أبو صفية.. والأمم المتحدة: اعتقاله تعسفي
وقبل اندلاع الحرب، كانت التوقعات الرسمية للاقتصاد المصري في السنة المالية 2025/2026 تشير إلى نمو يقارب 5.1 في المائة، وفق تقديرات «البنك المركزي المصري» الصادرة في فبراير (شباط). فيما توقع «صندوق النقد الدولي» نمو الاقتصاد المصري بنسبة 4.6 في المائة للعام المالي 2025/2026، مع تباطؤ طفيف إلى 4.4 في المائة للعام المالي 2026/2027.
ويرى خبراء في علم الاجتماع السياسي أن تراجع معدلات البطالة لا يعني بالضرورة تجاوز الأزمات الاقتصادية أو معالجة مشكلة تدني الأجور. ويشيرون إلى أن القطاع الذي يستقطب أعداداً متزايدة من العاملين هو القطاع الخدمي، ولا سيما خدمات التوصيل (الديلفري)، رغم أنه يُعد من القطاعات غير المستدامة، ولا يوفر استقراراً وظيفياً على المدى الطويل.
ويوجد في مصر نحو 6 ملايين عامل «ديلفري»، وفق تقديرات رسمية تعود لعام 2022. وتتشابه ظروف هؤلاء لجهة الرواتب الضئيلة، أو عدم وجود راتب مقابل خدمة التوصيل، وعدم وجود تأمينات اجتماعية أو صحية أو تأمينات ضد الحوادث لأغلبهم.
سوق العتبة الشعبية وسط القاهرة (الشرق الأوسط)
ويرى مراقبون أن انخفاض معدلات البطالة قد يكون مرتبطاً بزيادة المشاركة في سوق العمل بفعل الضغوط الاقتصادية، في ظل تراجع مستويات المعيشة وارتفاع معدلات الفقر. ويؤكدون أن العديد من الأسر باتت تعتمد على أكثر من مصدر للدخل؛ إذ تلتحق ربات منازل بسوق العمل، بينما يضطر كثير من الآباء إلى الجمع بين أكثر من وظيفة لتلبية متطلبات الإنفاق الأسري.
ويتفق مع ذلك، الباحث في الأنثروبولوجيا، وليد محمود، قائلاً: «إن تراجع معدل البطالة في مصر مقارنة بالسنوات السابقة، لا يعني بالضرورة انتهاء تحديات سوق العمل؛ إذ ما زالت جودة الوظائف، ومستوى الأجور، والتوافق بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق، تمثل قضايا أساسية».
وأرجع في الوقت نفسه هذا التراجع إلى أنه «في ظل المتغيرات الاقتصادية التي شهدها عام 2026، برزت الحاجة إلى ترسيخ ثقافة مجتمعية تقوم على احترام جميع المهن المنتجة، وتشجيع الشباب على تقبل فرص العمل المتاحة، وعدم قصر الطموح على الوظائف الحكومية أو الإدارية».
وتابع: «من منظور اجتماعي، أصبحت المرونة المهنية، واكتساب المهارات، والاستعداد للانتقال بين المهن، من أهم عوامل الاندماج في سوق العمل وتحقيق الاستقرار الاقتصادي للفرد والأسرة».
وكانت نسبة الفقر، وفق آخر بحث لـ«الدخل والإنفاق» الصادر عن جهاز «التعبئة والإحصاء» في سبتمبر (أيلول) 2020 عن عام 2019، قد بلغت 29.7 في المائة، وهو الرقم الذي ارتفع متجاوزاً الـ30 في المائة، وفق تصريح لرئيس الحكومة مصطفى مدبولي، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي.




