الرئيسيةالاخبار العاجلةالانتخابات الرئاسية الفرنسية العام المقبل تثير شهية التدخلات الخارجية

الانتخابات الرئاسية الفرنسية العام المقبل تثير شهية التدخلات الخارجية

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

لن تحصل الانتخابات الرئاسية في فرنسا غداً؛ ذلك أن موعدها الرسمي أقرَّه مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة في الأول من يوليو (تموز) الماضي. ووفق قراره، فإن الجولة الأولى ستُجرى يوم الأحد 18 أبريل (نيسان) 2027، والثانية بعد أسبوعين، أي يوم الأحد 2 مايو (أيار). والحال أن حالة من الخوف تهيمن، منذ اليوم، على الحملة الانتخابية التي لن تنطلق جدياً إلا مع الخريف المقبل، رغم تكاثر المرشحين يميناً ويساراً.

والتخوف الأكبر لدى عدد من المرشحين، أن تحاول روسيا، بوسائل متعددة، التأثير على الانتخابات الرئاسية، من خلال حملات تضليل إعلامية تستهدف من تعتبرهم أعداء لها من المرشحين.

الرئيس إيمانويل ماكرون ورئيس الحكومة المكلف ميشال بارنيه في حديث هامس بصورة تعود لعام 2019 (أ.ف.ب)

وتُبيِّن مراجعة عدد من التقارير المتوفرة عن أجهزة الرقابة، أو التحذيرات الصادرة من أجهزة المخابرات في البلدان المعنية -كما في ألمانيا وبريطانيا وهولندا وبلجيكا وبولندا وتشيكيا- وجود محاولات روسية للعب دور في الانتخابات عبر طرق عدة، منها الهجمات السيبرانية المباشرة، واختلاق أخبار مزيفة وبثها على شبكات التواصل الاجتماعي، وتسريب وثائق سرية، والتسلل إلى مواقع إعلامية معروفة بجديتها واستخدامها لبث مقالات وصور ومدخلات صوتية مزيفة.

وتلعب تطبيقات الذكاء الاصطناعي دوراً مهماً في هذه المحاولات. ولا تتوقف الأمور عند روسيا وحدها؛ بل إن الولايات المتحدة تسعى بدورها للتأثير على المسارات الانتخابية، ولكن بوسائل مختلفة تماماً. وليس كشفها والتعرف عليها وتعطيلها بحاجة إلى تقارير مخابراتية، ذلك أنها علانية ومباشرة، فالرئيس الأميركي دونالد ترمب نفسه يقوم بهذا الدور، وأحياناً ينيطه بنائبه جي دي فإنس. والأخطر من ذلك أن الملياردير الأميركي إيلون ماسك، صاحب منصة «إكس» وسيارات «تسلا» الكهربائية، يسعى ليفرض نفسه ناخباً ومقرراً لمصير الانتخابات.

الرئيسان: الفرنسي إيمانويل ماكرون والأميركي دونالد ترمب في قاعة المرايا بقصر فرساي (رويترز)

ومن تبعات كافة هذه المحاولات روسية أو أميركية أو غيرها، أنها تضرب الأسس الانتخابية ونزاهتها، وتصادر أصوات الناخبين وتوجد مناخات من الشك.

حتى اليوم، استهدفت التدخلات الروسية 3 مرشحين للانتخابات الرئاسية في فرنسا، هم: رئيس الوزراء الأسبق إدوار فيليب، وخليفته في منصبه غابرييل آتال، والمرشح الثالث هو رافاييل غلوكسمان، النائب في البرلمان الأوروبي ورئيس حزب «الساحة العامة» القريب جداً من الحزب الاشتراكي. وحتى تاريخه، لم يعلن الأخير ترشحه رسمياً. ولكن لا أحد في فرنسا يساوره الشك بهذا الشأن.

الرئيسان: الأميركي دونالد ترمب والفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

ولأن السلطات الفرنسية قلقة، حقيقةً، من التدخلات الخارجية، بينما استطلاعات الرأي تكشف، أسبوعاً وراء أسبوع، أن مارين لوبان، مرشحة اليمين المتطرف، تتقدم السباق الرئاسي في جولته الأولى، وتتمتع بحظوظ قوية للفوز في جولة الإعادة، فإن الحكومة، لدرء خطر هذه التدخلات، أعدت مشروع قرار ستتم مناقشته في البرلمان في الخريف المقبل. ومن بين ما ينص عليه مشروع القانون: إنزال العقاب الصارم بحق من يروِّجون لمحتويات كاذبة يمكن أن تصل إلى السجن 3 سنوات، و45 ألف يورو غرامة.

وطلب ماكرون من سباستيان لوكورنو، رئيس الحكومة، أن يولي ملف التدخلات الخارجية الاهتمام اللازم. وأعلن الأخير يوم 8 يوليو أنه يتوقع أن تتعرض الانتخابات القادمة «لمخاطر مرتفعة» بسبب هذه التدخلات، وأفاد بأنه سيستقبل رؤساء المجموعات البرلمانية لمناقشة هذا الملف بعد العطلة الصيفية، ودراسة ما يتعين القيام به.

الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والأميركي دونالد ترمب في «قاعة المرايا» بقصر فرساي التاريخي

ويعد غابرييل آتال، مرشح حزب «النهضة» الذي أسسه الرئيس إيمانويل ماكرون في عام 2016، والمعتبر أحد الأعمدة الرئيسية الداعمة للحكومة، آخر من استهدفتهم الدعاية الروسية. فيوم 4 أغسطس (آب) استهدفته حملة تضليل إعلامي من خلال أخبار مزيفة وريبورتاجات مفبركة، تم بثها عن طريق قناتَي تلفزة وإذاعة و«وكالة الصحافة الفرنسية» و4 صحف رئيسية، فضلاً عن تغريدات تستهدف آتال، أصحابها مجهولو الهوية.

وقال مركز «فيجينوم» الفرنسي، المولَّج في درء مخاطر التدخلات الرقمية الأجنبية، إن الجهة المسؤولة روسية، وتحديداً هي الشبكة المسماة «ماتريوشكا» المرتبطة بالأمانة العامة للدفاع والأمن الوطني الروسية.

رافاييل غلوكسمان آخر من تعرَّض لحملة معادية مصدرها روسيا (أ.ف.ب)

ودعت الهيئة الفرنسية المرشحين للتعتيم على استهدافهم، وتجنب توفير الدعاية المجانية للأخبار المزيفة. بيد أن آتال قفز فوق التحذير الرسمي؛ لا بل دعا إلى مؤتمر صحافي ليوجِّه أصابع الاتهام لموسكو. ومما قاله: «أتوقع أن يواصل النظام الموجود في الكرملين عمليات التدخل ضد مرشحين مثلي». والمقصود الذين ينددون بالحرب الروسية على أوكرانيا.

ويرأس آتال مجموعة الصداقة الفرنسية- الأوكرانية في البرلمان، ويعد أحد أقوى الأصوات، كونه يرأس مجموعة نواب حزبه الداعمة لأوكرانيا في فرنسا.

اقرأ ايضا: رجال الإطفاء يحرزون تقدماً في مواجهة الحرائق بإسبانيا

وروَّجت الأخبار الكاذبة أن آتال يعاني من «مشكلات صحية»، وتحديداً من «مرض باركنسون» وأنه يروِّج لسياسة تدافع عن «المتسللين إلى مساكن فارغة» الذين يرفضون غالباً الخروج منها. وأعلنت «وكالة الصحافة الفرنسية» والقناة الإخبارية «بي إف إم» تقديم شكاوى للقضاء.

إدوار فيليب رئيس الوزراء الأسبق وعمدة مدينة لوهافر كان أول من أعلن ترشحه للرئاسة (أ.ف.ب)

أول من استهدفته الدعاية الكاذبة إدوار فيليب. وكان تركيزها على أن الأخير الذي يرأس بلدية مدينة لوهافر المطلة على المحيط الأطلسي منذ سنوات كثيرة، يعاني من مشكلات صحية تمنعه من أن يخوض المعركة الانتخابية، علماً بأنه كان أول من أعلن ترشحه للرئاسة.

وبعكس آتال، رفض فيليب الخوض في تفاصيل الحملة التي تعرض لها. إلا أن النائبة الأوروبية ناتلي لوازو، المنتمية لحزبه «هورايزون» سارعت للتنديد بموسكو، مؤكدة أن دولة كروسيا «سوف تسعى لإضعاف كل المرشحين الذين يعتبرون بوتين معتدياً ومنتهكاً للقانون الدولي».

غابرييل آتال رئيس الوزراء السابق والمرشح للرئاسة في إحدى جولاته الانتخابية يوم 25 يوليو الماضي (أ.ف.ب)

ما يميز ما تعرض له غلوكسمان أنه لم يكن وحده مستهدفاً؛ بل إن الحملة استهدفت أيضاً زوجته الصحافية ليا سلامة. ومحتوى الحملة التي طالتهما في 4 أغسطس الجاري، أنهما يسعيان للتأثير على صحافيين لحملهم على تغطية صحافية تكون داعمة للمرشح الرئاسي، باللجوء إلى ترويج أخبار كاذبة، عبر موقع الصحيفة الإلكترونية «بلاست».

وسارع غلوكسمان لنشر تغريدة على منصة «إكس» كتب فيها: «إن الحملة ليست سوى مقدمة لما سيأتي لاحقاً؛ حيث ستتعرض انتخابات 2027 لتدخلات كثيفة». وأضاف غلوكسمان أن الأمانة العامة للدفاع والأمن الوطني اتصلت به، لتعلمه بحملة دعائية كاذبة مصدرها «مجموعة ستورم 1516» التابعة مباشرة للمخابرات العسكرية الروسية، وأن الأمانة العامة استطاعت تحديد هوية الجهة المعنية.

إيلون ماسك مالك منصة «إكس» عازم على لعب دور صانع الرؤساء في فرنسا من خلال دعمه مرشحة اليمين المتطرف (أ.ف.ب)

وسبق لهيئة «فيجينوم» أن تمكنت من رصد 205 محاولات قامت بها «مجموعة ستورم 1516» منذ عام 2023. ومؤخراً، هاجمت الوسائل الإعلامية الروسية قرار باريس طرد الإعلامية كزنيا فيدوروفا المتهمة بأنها تشكل خطراً على الأمن القومي الفرنسي، بسبب تبنيها السردية الروسية حول الحرب في أوكرانيا، وبث أخبار كاذبة. وبالفعل، اضطرت فيدوروفا مؤخراً للرحيل عن فرنسا.

والرأي السائد في فرنسا هو أن غرض روسيا إضعاف المرشحين المعادين لها ومساعدة مارين لوبان، مرشحة اليمين المتطرف التي تربطها علاقة قديمة مع الرئيس بوتين.

ليست روسيا وحدها في قفص الاتهام؛ بل إن الولايات المتحدة تقف إلى جانبها. والمفارقة أن المداخلات الأميركية كانت بدورها لدعم لوبان. وباستطاعة لوبان أن تشكر ماسك الذي لم يتردد في أن يكتب، يوم 15 يوليو، على المنصة التي يمتلكها والتي يتابعه عليها ما لا يقل عن 250 مليون شخص عبر العالم، أن مارين لوبان «تُعد آخر أمل بالنسبة لفرنسا»، ما يعني أنه يدعم وبشكل علني ومباشر الأخيرة للفوز برئاسة الجمهورية.

ماكرون يتحدث إلى الصحافة وإلى يمينه وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز عقب زيارته المركز الإداري لعمليات الإطفاء والإنقاذ في بوردو (إ.ب.أ)

ولا غرابة في دعوته؛ لأنه في السنوات والأشهر الأخيرة تميز بتوفيره الدعم لليمين المتطرف الأوروبي، سواء أكان في ألمانيا مع حزب «البديل» أم في بريطانيا مع حزب «الإصلاح»، أو مع غيرهما من أحزاب اليمين المتطرف الأوروبي. وسبق لـماسك أن عبَّر عن دعم لوبان أكثر من مرة؛ خصوصاً بعد إدانتها العام الماضي في فضيحة استغلال الأموال الأوروبية لأهداف حزبية خاصة. وكتب ماسك في 1 أبريل من العام الماضي: «أشجع السيدة لوبان، وآمل أن تتغلب على الاضطهاد الذي تتعرض له، وأن تترشح لانتخابات عام 2027».

وما يثير اهتمام ماسك أن لوبان تريد الوقوف في وجه الهجرات المتوافدة على فرنسا، وهو بذلك يتبنى مقاربة الرئيس ترمب الذي كانت لوبان المسؤولة السياسية الفرنسية الوحيدة التي دعت لتنصيبه بداية العام الماضي.

الرئيسان الفرنسي والأوكراني قبل بدء اجتماع «تحالف الراغبين» في باريس (رويترز)

وسبق لماسك أن عمد -في الفترة نفسها- إلى إعادة نشر تغريدة للرئيس ترمب، معتبراً أنها تتعرض لـ«حملة اضطهاد سياسي» بسبب ملاحقتها قضائياً. ودعت مارين توندوليه، أمينة عام الحزب البيئوي، في 5 أغسطس إلى منع شبكة «إكس» في فرنسا، نظراً لتأثيرها الضار على الديمقراطية. وردَّ عليها ماسك بتغريدة كتب فيها: «أطالب بإسكات توندوليه بسبب الخيانة التي ترتكبها بحق فرنسا». وجاء الرد على الرد بأن فرنسا «لا تتلقى أمثولة في الوطنية من ملياردير أجنبي، يظن أنه قادر على إسكات مَن يريد من المسؤولين السياسيين الأوروبيين».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب برفقة رئيس الوزراء البريطاني السابق كير ستارمر والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال حضورهم اجتماع دول «مجموعة السبع» في إيفيان بشرق فرنسا (أ.ف.ب)

إنها الحرب التي بدأت، والتي تشجعها مواقف مسؤولي الرئيس ترمب أو نائبه فانس أو وزير خارجيته ماركو روبيو، وحملة آيديولوجيا حركة «ماغا» الأميركية. ولا شك أن الأشهر القادمة ستشهد احتداماً للتدخلات الخارجية التي يمكن أن تنضم إليها الصين. والجامع بينها أنها ترى في أوروبا الفريسة التي يسهل التلاعب بها، بوصفها الطرف الأضعف في المعادلة اليوم.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

الأكثر شهرة

- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

احدث التعليقات