الرئيسيةالرياضةالاستحقاقية الذكورية.. لماذا يرى الرجال أن تشجيع كأس العالم حكرًا لهم؟

الاستحقاقية الذكورية.. لماذا يرى الرجال أن تشجيع كأس العالم حكرًا لهم؟

في كل نسخة من كأس العالم، لا تقتصر المنافسة على المستطيل الأخضر، بل تمتد أيضًا إلى منصات التواصل الاجتماعي، حيث يتحول ملايين الأشخاص إلى محللين ومشجعين يشاركون آراءهم وانطباعاتهم.

بين هذا الزخم، يتكرر مشهد أصبح مألوفًا؛ فتاة تكتب رأيًا عن مباراة أو لاعب، فتجد نفسها أمام سيل من التعليقات التي لا تناقش رأيها، بل تناقش حقها في أن تكون مشجعة لكرة القدم من الأساس!

بمجرد أن تعبر امرأة عن رأيها الكروي، يطفو على السطح سلوك اجتماعي متكرر؛ حيث يندفع بعض الرجال للهجوم والتنظير، معتبرين أن كرة القدم مساحة ذكورية خالصة، وأن النساء إما لا يفهمن في اللعبة أو يتابعنها لأسباب سطحية.

هذه الظاهرة لا تُصنف كمجرد “غيرة كروية”، بل هي ظاهرة نفسية واجتماعية عميقة تُعرف باسم “الاستحقاقية الذكورية” (Male Entitlement).

في علم النفس، لا تعني الاستحقاقية الذكورية أن جميع الرجال يحملون هذا التفكير، بل تعني أن فئة معينة تشعر بأن نشاطًا أو مساحة ما “ملك حصري لهم”.

يفسر علماء النفس ذلك من خلال “نظرية الهوية الاجتماعية” (Social Identity Theory)؛ حيث يربط بعض الأشخاص هويتهم الشخصية والذكورية بكرة القدم.

عندما تبدأ النساء في دخول هذه المساحة وفهمها ومناقشتها، يشعر هؤلاء الأفراد بتهديد غير مبرر لتميز مجموعتهم وهويتهم، فيلجأون إلى الهجوم والانتقاص كوسيلة للدفاع عن هذه المساحة التي يعتبرونها حكرًا عليهم.

من أبرز صور الاستحقاقية الذكورية في الرياضة ما يُعرف بـ “حراسة البوابة” (Gatekeeping)؛ بمجرد أن تكتب فتاة رأيًا تكتيكيًا عن مجريات مباراة في كأس العالم، تتوالى عليها أسئلة أشبه بلجان الامتحان:

المفارقة هنا أن هذه الأسئلة التعجيزية لا تُطرح أبدًا على مشجع رجل؛ الانتماء والشغف بالنسبة للرجل يُفترض أنه أمر فطري ومسلم به، أما المرأة، فعليها أن تنجح في “اختبارات القبول” أولًا لتثبت أنها تستحق حق التحدث عن الساحرة المستديرة.

حتى لو كانت المرأة صحفية رياضية متمرسة، أو محللة تكتيكية، أو لاعبة سابقة تمتلك رؤية فنية ثاقبة، غالبًا ما يتم اختزال كل هذا الشغف بسبب ما يُعرف بـ “التحيز المبني على الصور النمطية” (Stereotype Bias).

يتم تهميش رأيها الكروي وإرجاع سبب متابعتها للمباراة إلى أسباب سطحية، مثل وسامة اللاعب، أو أناقة قميص الفريق، أو الرغبة في ركوب “التريند”.

تصفح أيضًا: لم يفوزوا بالحظ.. إبراهيموفيتش يمدح منتخب المغرب بعد الفوز ضد كندا

يُطلق علم النفس على هذا السلوك “تحيز العزو” (Attribution Bias)، حيث يتم تفسير اهتمام المرأة بأسباب سطحية لرفض الاعتراف بكفاءتها أو شغفها الحقيقي، لمجرد أنها امرأة.

ربما لا تظهر هذه الظاهرة بوضوح خلال منافسات الدوريات المحلية، لكن مع انطلاق كأس العالم تتضاعف حدتها.

فالحدث الرياضي الأكبر في العالم يجذب ملايين المتابعين الذين قد لا يشاهدون كرة القدم بشكل يومي، وهو أمر طبيعي يحدث في كل الألعاب الرياضية الكبرى، سواء الأولمبياد أو بطولات العالم المختلفة.

لكن اللافت أن بعض النساء يواجهن عبارات مثل: “من أين ظهرتِ؟” أو “هل كنتِ تعرفين الكرة قبل كأس العالم؟”، بينما لا تُطرح الأسئلة نفسها على الرجال الذين يتابعون كأس العالم كل أربع سنوات فقط.

السؤال المنطقي الذي يجب طرحه: هل كل الفتيات يفهمن في تفاصيل كرة القدم؟ الإجابة ببساطة هي “لا”؛ ولكن، هل كل الرجال يفهمن في كرة القدم حقًا؟ الإجابة أيضًا هي “لا”.

هناك رجال يتابعون الكرة منذ سنوات ولا يدركون الفارق بين التسلل والتداخل في اللعبة، أو لا يعرفون تفاصيل قانون لمسة اليد الجديد.

في المقابل، هناك نساء يعملن كصحفيات رياضية ناجحات، ومحللات، ومدربات، بل وحكمات يدرن مباريات دولية كبرى؛ فالمعيار الحقيقي دائمًا هو المعرفة والشغف، وليس النوع.

خلال السنوات الأخيرة، لم تعد كرة القدم مجرد لعبة، بل أصبحت صناعة عالمية وثقافة جماهيرية تستهدف كل الفئات.

تسعى المؤسسات الرياضية إلى توسيع قاعدة المتابعين، لأن قوة اللعبة تكمن في قدرتها على جمع الناس، لا في حصرها داخل دائرة مغلقة.

لهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: “هل يحق للمرأة أن تشجع كرة القدم؟”، بل: لماذا ما زال بعض الأشخاص يعتقدون أن من حقهم منح الآخرين تصريحًا لممارسة شغفهم؟

لا يحتاج المشجع إلى شهادة تثبت أحقيته في حب اللعبة، ولا يُقاس انتماؤه بنوعه أو جنسه، بل بصدق شغفه واحترامه لكرة القدم، سواء كان يجلس في المدرجات، أو يكتب تحليلًا، أو يناقش مباراة، أو يهتف لفريقه من خلف شاشة التلفاز.

مقالات ذات صلة
- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

الأكثر شهرة

احدث التعليقات