مع انطلاق سلسلة اجتماعات وزراء خارجية «رابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان)» في العاصمة الفلبينية مانيلا، الاثنين، التي تستمر حتى 24 يوليو (تموز) الحالي، تواجه «الرابطة» اختباراً جديداً لقدرتها في الحفاظ على سياسة التوازن بين الولايات المتحدة والصين، في وقت تتصاعد فيه المنافسة بين القوتين الكبريين وتزداد التحديات الأمنية داخل المنطقة وخارجها.
وتكتسب الاجتماعات أهمية خاصة؛ لأنها تجمع وزراء خارجية الدول الأعضاء في «آسيان» قبل أن تمتد إلى لقاءات مع شركاء الحوار، بينهم الولايات المتحدة والصين وروسيا واليابان و«الاتحاد الأوروبي»؛ مما يجعلها إحدى أبرز المحطات الدبلوماسية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.
ويعكس هذا الحضور الدبلوماسي الواسع المكانة التي اكتسبتها «رابطة دول جنوب شرقي آسيا (آسيان)»، منذ تأسيسها عام 1967 بهدف تعزيز التعاون والاستقرار الإقليمي. وتضم «الرابطة» حالياً 11 دولة بعد انضمام تيمور الشرقية عام 2025، وتشكّل الإطار الرئيسي للتعاون السياسي والاقتصادي والأمني بين دول جنوب شرقي آسيا.
تحاول دول «آسيان» منذ سنوات انتهاج سياسة تقوم على عدم الانحياز الكامل إلى أي من القوتين الكبريين. فالصين تُعَدّ الشريك التجاري الأول لمعظم اقتصادات المنطقة، بينما تمثّل الولايات المتحدة شريكاً أمنياً أساسياً لعدد من الدول، في مقدمتها الفلبين.
ويجعل هذا الواقع دول «الرابطة» حريصة على تجنب الاصطفاف؛ حفاظاً على مصالحها الاقتصادية من جهة، وعلى الاستقرار الأمني من جهة أخرى، في ظل إدراكها أن أي مواجهة مباشرة بين واشنطن وبكين ستكون لها انعكاسات واسعة على المنطقة.
صورة جوية لسفينة قرب الشعاب المرجانية بمنطقة «سيكند توماس شول» المتنازع عليها والمعروفة محلياً باسم «أيونغين» في بحر الصين الجنوبي… يوم 9 مارس 2023 (أرشيفية – رويترز)
يتصدّر بحر الصين الجنوبي جدول أعمال الاجتماعات؛ نظراً إلى استمرار النزاعات البحرية بين الصين وعدد من دول «آسيان»، لا سيما نزاع الصين مع الفلبين وفيتنام بشأن السيادة على جزر ومناطق بحرية استراتيجية.
ورغم استمرار المفاوضات بشأن «مدوّنة السلوك»، التي تهدف إلى تنظيم سلوك الأطراف والحد من مخاطر النزاع في بحر الصين الجنوبي، فإن التقدّم لا يزال بطيئاً، وسط استمرار الاحتكاكات البحرية وتصاعد الوجود العسكري للقوى الكبرى.
ويرى «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الأميركي (CSIS)»، وهو مركز أبحاث أميركي مختص في السياسة الخارجية والأمن الدولي، أن التحدي الحقيقي أمام «آسيان» لا يقتصر على إدارة الخلاف مع الصين، بل يتمثل أيضاً في الحفاظ على وحدة مواقف الدول الأعضاء، التي تختلف أولوياتها ومصالحها في التعامل مع بكين.
وتلقي الحرب في إيران بظلالها على اجتماعات «آسيان»، في ظل مخاوف دول «الرابطة» من انعكاس أي تصعيد إضافي على أمن الملاحة الدولية، وإمدادات الطاقة، وسلاسل التوريد. وتكتسب هذه التداعيات أهمية خاصة بالنسبة إلى اقتصادات جنوب شرقي آسيا؛ التي تعتمد بدرجة كبيرة على التجارة الخارجية، واستيراد الطاقة، وحرية حركة السفن، عبر الممرات البحرية الحيوية.
نوصي بقراءة: الإعصار بافي يضرب شرق الصين ومخاوف من فيضانات
وتضع الحرب «آسيان» كذلك أمام اختبار دبلوماسي جديد؛ إذ تختلف مواقف دولها وعلاقاتها بالولايات المتحدة والصين ودول الشرق الأوسط؛ مما يجعل التوصل إلى موقف موحد أمراً صعباً. ومن المرجّح أن تركّز «الرابطة» على الدعوة إلى خفض التصعيد واحترام القانون الدولي وحماية الملاحة، بما ينسجم وسياستها التقليدية القائمة على الحياد وتجنب الانحياز إلى أي من المحاور المتنافسة.
لاجئون من الروهينغيا فرّوا من أعمال العنف في ميانمار… داخل سوق بمخيم خارج كوكس بازار ببنغلادش (أرشيفية – رويترز)
ولا يقل ملف ميانمار أهمية عن الملفات الجيوسياسية المطروحة، إذ لا تزال الأزمة التي اندلعت عقب الانقلاب العسكري عام 2021 تمثّل أكبر اختبار لوحدة «آسيان» وفاعليتها.
ورغم تبني الرابطة «توافق النقاط الخمس» بهدف وقف العنف وإطلاق حوار سياسي، فإن المبادرة لم تحقق النتائج المرجوة، بينما تستمر المواجهات بين الجيش وجماعات المعارضة المسلحة، وتتفاقم الأزمة الإنسانية.
وتسعى «آسيان» إلى إعادة تنشيط جهود الوساطة عبر مبعوثها الخاص، إلا إن الانقسامات الداخلية، وتعقيد المشهد الميداني، يجعلان فرص التوصل إلى تسوية شاملة محدودة في المدى المنظور.
وتشير مجلة «ذا دبلومات» الأميركية، المختصة في الشؤون السياسية والأمنية لمنطقة آسيا والمحيطين الهندي والهادئ، إلى أن استمرار تعثّر جهود الوساطة في أزمة ميانمار يضعف صورة «آسيان» بوصفها منظمة قادرة على إدارة أزمات أعضائها، ويطرح تساؤلات بشأن فاعلية «مبدأ الإجماع» الذي تقوم عليه قراراتها.
رجل يمر أمام أعلام الدول الأعضاء في «رابطة آسيان» وعلم «الرابطة» في «المركز الإعلامي الدولي» خلال اجتماعات وزراء خارجية «الرابطة» والاجتماعات ذات الصلة بمدينة باساي بمنطقة مانيلا الكبرى في الفلبين يوم 20 يوليو 2026 (رويترز)
لطالما سعت «الرابطة» إلى تكريس ما تُعرف بـ«مركزية آسيان»، أي أن تكون الإطار الرئيسي للحوار بين القوى الكبرى في آسيا، بدلاً من تحوّل المنطقة ساحةً صراع فيما بينها.
لكن تصاعد المنافسة الأميركية – الصينية، إلى جانب استمرار أزمة ميانمار، يزيدان الضغوط على «آسيان» ويختبران قدرتها على التوفيق بين الحفاظ على وحدة أعضائها، والاستمرار في أداء دورها منصةً للحوار، والإسهام في احتواء الأزمات الإقليمية.
ورغم أنه من غير المرجّح أن تفضي «اجتماعات مانيلا» إلى قرارات تُحدث تحوّلاً في المشهد الجيوسياسي لآسيا، فإنها ستكون مؤشراً مهماً على قدرة «آسيان» في الحفاظ على دورها المحوري بالمنطقة، ومواصلة نهج التوازن الذي ميّز سياستها الخارجية في علاقاتها بالقوى الكبرى خلال العقود الماضية، في ظل عالم يتّجه نحو مزيد من الاستقطاب الجيوسياسي.




