في غضون أشهر قليلة، تحول النيجيري جورج إيلينيخينا من لاعب في الظل إلى نجم ساطع وضع بصمته سريعاً في الدوري السعودي مع ناديه الجديد الاتحاد، قبل أن ينقل تألقه إلى المستوى الدولي، ويسجل في ظهوره الأول مع المنتخب النيجيري، مدشناً فصلاً جديداً في مسيرته.
ويوم الجمعة، سجّل إيلينيخينا، صاحب الـ20 عاماً، هدفه الدولي الأول مع نيجيريا، خلال الفوز (2-1) على مدغشقر في مستهل تصفيات كأس الأمم الأفريقية 2027، بعدما حصل على استدعائه الأول للمنتخب الأول من المدرب إريك شيل.
ولم يستغرق مهاجم الاتحاد وقتاً طويلاً ليترك بصمته، إذ بدأ المباراة أساسياً، وسجّل هدف التعادل في الوقت بدل الضائع من الشوط الأول بتسديدة قوية بقدمه اليسرى، قبل أن تحسم نيجيريا المواجهة في الشوط الثاني.
ولم يأتِ استدعاء اللاعب النيجيري من فراغ؛ فإيلينيخينا بدأ موسم 2026-2027 بصورة مختلفة تماماً مع الاتحاد، ووفق الأرقام الرسمية لرابطة الدوري السعودي للمحترفين، سجل 4 أهداف وصنع هدفين خلال أول 6 مباريات له في الدوري، وفي 325 دقيقة فقط. وعلى مستوى جميع المسابقات، وصل إلى 6 أهداف وتمريرتين حاسمتين في أول 9 مباريات هذا الموسم.
ومن بين أهدافه، جاءت الثنائية التي حملت ثقلاً خاصاً أمام النصر، حين سجل هدفي انتصار الاتحاد (2-1) في جدة، ملحقاً بمنافسه خسارته الأولى في الدوري هذا الموسم.
كما اختير إيلينيخينا مرتين أفضل لاعب في المباراة خلال الجولات الأولى، وحصد أحد أهدافه جائزة هدف الأسبوع، وفق رابطة الدوري السعودي للمحترفين.
لكن قصة جورج لم تبدأ في جدة، إذ وُلد في لاغوس بنيجيريا في 16 أغسطس (آب) 2006، وانتقل صغيراً إلى فرنسا، حيث نشأ في منطقة باريس. والمفارقة أنه لعب حارس مرمى قبل انتقاله إلى مركز المهاجم، إذ ذكر أحد مدربيه السابقين في حديث نشره اتحاد باريس لكرة القدم أن جورج كان حارساً مع بورغ لا رين قبل انتقاله إلى أنتوني إيفولوشن فوت، حيث تطورت موهبته الهجومية.
ومن هناك بدأت رحلة صعود سريعة للغاية، ووصل إلى الفريق الأول لأميان وهو لا يزال في السادسة عشرة، وأصبح أصغر هداف في تاريخ دوري الدرجة الثانية الفرنسي عندما افتتح أهدافه بعمر 16 عاماً و150 يوماً، قبل أن ينتقل في صيف 2023 إلى رويال أنتويرب البلجيكي.
وفي بلجيكا جاءت اللحظة التي نقلت اسمه إلى واجهة الكرة الأوروبية، ففي ديسمبر (كانون الأول) 2023، واجه أنتويرب برشلونة في «دوري أبطال أوروبا». كانت النتيجة تشير إلى التعادل (2-2) في الوقت بدل الضائع، قبل أن يظهر إيلينيخينا ويسجل هدف الفوز (3-2) عند الدقيقة 90+2. وكان يبلغ حينها 17 عاماً و119 يوماً، ليصبح واحداً من أصغر اللاعبين تسجيلاً في تاريخ «دوري أبطال أوروبا». وتضعه إحصاءات الاتحاد الأوروبي لكرة القدم ضمن أصغر خمسة هدافين في تاريخ المسابقة بصيغتها الحديثة.
بعد موسم واحد فقط، انتقل إلى موناكو، لكن برشلونة ظهر مجدداً في قصته. ففي سبتمبر (أيلول) 2024، دخل إيلينيخينا بديلاً أمام الفريق الإسباني في «دوري الأبطال»، وانطلق خلف الدفاع قبل أن يسدد الكرة في شباك مارك أندريه تير شتيغن، مانحاً موناكو الانتصار (2-1). واختاره الاتحاد الأوروبي لكرة القدم رجل المباراة وكان عمره 18 عاماً و34 يوماً فقط، ليصبح أصغر لاعب يسجل لموناكو في «دوري أبطال أوروبا»، متجاوزاً الرقم الذي كان يحمله كيليان مبابي. والأكثر غرابة أنه كان قد سجل هدف الفوز على برشلونة في «دوري الأبطال» للمرة الثانية توالياً، ولكن بقميص فريق مختلف.
وخلال تجربته مع موناكو، شارك في 51 مباراة بمختلف المسابقات، سجل خلالها 10 أهداف وصنع هدفين، قبل أن يقرر الاتحاد التحرك لضمه في فبراير (شباط) الماضي.
وأعلن النادي الجداوي توقيع عقد لمدة عامين ونصف العام، ما يربطه بالفريق حتى صيف 2029.
قد يهمك أيضًا: الموقف السعودي… وعودة واشنطن وطهران إلى أجواء المفاوضات
أما القيمة المالية للصفقة فلم يكشف عنها الناديان رسمياً، لكن صحيفة «ليكيب» الفرنسية ذكرت أن موناكو حصل على 33 مليون يورو مقابل انتقال اللاعب إلى الاتحاد، فيما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدر مطلع رقماً يبلغ 30 مليون يورو. وبالتالي يمكن وضع قيمة الصفقة، وفق التقارير المتاحة، في نطاق 30 إلى 33 مليون يورو.
إيلينيخينا في إحدى مباريات الاتحاد ضمن الدوري السعودي للمحترفين (تصوير: نايف العتيبي)
والمثير أن الأشهر الأولى لإيلينيخينا في جدة لم تكن توحي بما سيحدث لاحقاً. ووصل المهاجم الشاب خلال النصف الثاني من الموسم الماضي، ولم يحصل على دقائق كثيرة، وبقي دون إسهامات تهديفية في مبارياته الأولى. ومع اقتراب الموسم الجديد، تحول مستقبله إلى أحد ملفات سوق الانتقالات، خصوصاً مع رغبة اللاعب في الحصول على وقت أكبر للمشاركة.
شبكة «سكاي سبورت» الإيطالية أكدت في 31 يوليو (تموز) أن جنوى وضع إيلينيخينا ضمن خياراته الهجومية، فيما ربطت تقارير أخرى اللاعب بوست هام الإنجليزي وشالكه الألماني، بالإضافة إلى اهتمام إشبيلية الإسباني.
وملف إشبيلية تحديداً وصل إلى مرحلة متقدمة، إذ تحدث وكيل اللاعب بادو سامباغو عن رغبة النادي الإسباني في التعاقد معه، موضحاً أن الاتحاد لم يكن راغباً في السماح بخروجه على سبيل الإعارة، وأن اللاعب نفسه لم تكن لديه مشكلة في الاستمرار في جدة ما دام حصل على فرصة المشاركة.
وحسب تقارير سوق الانتقالات، دارت مناقشات حول عرض إسباني يصل إلى 10 ملايين يورو، بالإضافة إلى 3 ملايين مكافآت ونسبة من البيع المستقبلي، في وقت قُدّرت فيه مطالب الاتحاد -آنذاك- بنحو 20 مليون يورو للتخلي عنه نهائياً. وهي أرقام تعكس وضع اللاعب في ذلك التوقيت، قبل انفجار مستواه مع بداية الموسم الحالي.
وهنا تحديداً تغيّرت القصة؛ فاللاعب الذي كان الاتحاد يدرس مستقبله خلال الصيف أصبح خلال أسابيع إحدى أهم أوراق الفريق الهجومية. هدفان في «كأس الملك» أمام النجمة، ثم هدف أمام القادسية، وبعدها ثنائية أمام النصر وهدف أمام الفيحاء، إلى جانب صناعتين أمام الفيصلي؛ سلسلة نقلته سريعاً من لاعب يبحث عن دقائق إلى عنصر أساسي، ثم إلى المنتخب النيجيري.
وبالنسبة إلى الاتحاد، قد تكون المسألة أكبر من مجرد نجاح مهاجم شاب. إيلينيخينا يبلغ 20 عاماً، ويلعب في مركز المهاجم، وسبق له التسجيل في «دوري أبطال أوروبا»، ويمتلك تجربة في فرنسا وبلجيكا والسعودية، وأصبح الآن لاعباً دولياً مع نيجيريا. والأهم أنه مرتبط بعقد طويل مع الاتحاد حتى يونيو (حزيران) 2029، وهو ما يمنح النادي موقفاً تفاوضياً قوياً في حال عودة الأندية الأوروبية إلى طرق الباب.
وإذا كان اللاعب قد جذب اهتمام أندية من إنجلترا وإيطاليا وألمانيا وإسبانيا في الصيف الماضي، في وقت لم يكن فيه أساسياً مع الاتحاد، فإن استمرار مستواه الحالي، وتثبيت موقعه مع منتخب نيجيريا، قد يرفعان مستوى المهتمين به وقيمة العروض المحتملة بصورة كبيرة عند فتح سوق الانتقالات الصيفية المقبلة.
ولهذا، لا يبدو مستبعداً أن يتحول إيلينيخينا إلى واحد من أكثر ملفات الانتقالات سخونة في الدوري السعودي للمحترفين الصيف المقبل، خصوصاً إذا حافظ على معدل إسهاماته الحالي. وقد يجد الاتحاد نفسه أمام عروض مالية تتجاوز بصورة واضحة الأرقام التي طُرحت للاعب قبل انطلاق الموسم، وربما أمام واحد من أكبر عروض الشراء المقدمة للاعب ينشط في الدوري السعودي.
لكن الحديث عن «عرض قياسي» لا يزال سابقاً لأوانه؛ فلا توجد حتى الآن، حسب المصادر العلنية الموثوقة، مفاوضات للصيف المقبل أو عرض محدد يمكن البناء عليه. المؤكد فقط أن المعطيات تغيرت: اللاعب الذي كانت أندية أوروبية تحاول استعارته قبل أسابيع، أصبح أساسياً في الاتحاد، وهدافاً أمام النصر، ودولياً يسجل من مباراته الأولى مع نيجيريا.
وربما تختصر هذه الأشهر القليلة قصة جورج إيلينيخينا كلها: مهاجم بدأ طفلاً بين القائمين حارساً للمرمى في ضواحي باريس، ثم أصبح أصغر هداف في دوري الدرجة الثانية الفرنسي، وأسقط برشلونة مرتين بقميصين مختلفين، وانتقل إلى جدة في صفقة قاربت 33 مليون يورو، قبل أن يفرض نفسه في الاتحاد ويفتح سجله الدولي مع «النسور الخضر».




