كشفت مصادر سياسية في تل أبيب أن قرار رئيس «الموساد» رومان غوفمان، إقالة اثنين من كبار المسؤولين في الجهاز، على خلفية الفشل في إسقاط النظام الإيراني، أحدث هزة كبيرة في «الموساد»، وجعل عدداً من كبار المسؤولين يفكرون في الاستقالة. وتجرأ عدد منهم على سرد رواية تكذب رواية غوفمان، وتوضح أن من يقف وراء هذه الإقالة هو رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، الذي يستخدم الجهاز والصراعات بداخله ليزيل التوتر بينه وبين الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الذي كان قد اقتنع بالخطة، ويشعر اليوم بأنه كان على خطأ.
وذكر تقريران أوردتهما «هيئة البث الإسرائيلية العامة» (كان 11) و«القناة 12» أن المسؤولين اللذين تمت إقالتهما، هما رئيسة شعبة الاستخبارات في «الموساد»، التي تولت منصبها في شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي فقط، والآخر رئيس قسم إيران في الجهاز «ي». وأضافت المصادر أن «الموظفين الكبيرين هما المسؤولان اللذان وضعا الخطة النهائية لتغيير النظام، التي تبين لاحقاً أنها فشلت فشلاً ذريعاً. وتسبب هذا الفشل في تدهور مكانة القيادة الإسرائيلية في نظر الأميركيين، وكذلك في نظر أجهزة المخابرات في دول العالم والمنطقة».
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (يسار) ومدير «الموساد» السابق ديفيد برنياع في القدس يوم 4 أبريل 2023 (د.ب.أ)
لكن مصادر في الجهاز رفضت هذه الحجة، وقالت إن «هذه خدعة أخرى من خدع نتنياهو الصبيانية؛ فأولاً من وضع الخطة هو برنياع، سوية مع نائبه، وقد تبناها بالكامل نتنياهو، ودافع عنها، وعرضها أمام عدد من زعماء العالم، خصوصاً ترمب. وبرنياع، هو الذي كان قد عرض تفاصيل الخطة على الأميركيين، وفيها يتم الاعتماد على اجتياح بري لطهران من الأكراد الإيرانيين المدعومين من أكراد العراق، على الأرض، وعلى توفير غطاء جوي إسرائيلي – أميركي مكثف. وعندما استمعوا إليها ردوا بشكل فوري أنها هراء وغير مهنية. ولكن الرئيس ترمب، أعطى ثقته بما قاله برنياع، خصوصاً بعدما أخبره نتنياهو بأن إسرائيل تمكنت من تجنيد الرئيس الإيراني الأسبق، محمود أحمدي نجاد، لصالح الخطة ليكون القائد الإيراني النابع من الثورة الخمينية، والذي يعد ابن تنظيم «الحرس الثوري»، نما وترعرع في صفوفه.
ولكن «القناة 12» تنقل عن مصادر في «الموساد» قولها إن من يجب أن يعاقب على فشل الخطة هو رئيس الوزراء، بوصفه القائد الأول لأجهزة الأمن و«الموساد» تابع مباشرة لمكتبه، وكذلك رئيس «الموساد» السابق برنياع. وكما هو معروف فقد أنهى برنياع عمله بإرادته، وعندما اختار نتنياهو غوفمان لرئاسة الجهاز كان من أول قراراته إقالة نائب رئيس «الموساد» وإنهاء عمله. وأوضحت «القناة 12» أن قرار غوفمان الجديد بإقالة رئيسة شعبة الاستخبارات ورئيس دائرة إيران في الجهاز، جاء في الواقع لأنهما لم ينسجما مع سياسة غوفمان منذ البداية، وليس بسبب فشل خطة إسقاط النظام في طهران.
صورة أرشيفية لرومان غوفمان رئيس «الموساد» الحالي (رويترز)
تصفح أيضًا: الأردن يعلن إسقاط 4 صواريخ أُطلقت من إيران
لكن نتنياهو سارع إلى الإعلان عن أن رئيس «الموساد» «يعتقد أنهما يجب أن يدفعا ثمن فشل الخطة التي تم التوصل إليها مع الرئيس (الأميركي ترمب، والتي لم تُنفّذ على أرض الواقع لأنها فاشلة».
وأوردت «كان 11» أن إقالة اثنين من كبار مسؤولي الجهاز «أثارت ضجة داخل (الموساد)، حيث إنهم يعرفون الحقيقة، ويعرفون أن الزعم بأنها جاءت نتيجة فشل عملية تغيير النظام في إيران هو تشويه للواقع؛ فـ(الموساد) قال من البداية إن إسقاط النظام لن يتم بضربة واحدة خلال الحرب، بل هو مسار طويل يبدأ بضعضعة قدرات إيران العسكرية، وكشف ضعفها وفشلها في حماية كبار قادتها».
وذكرت مصادر مطلعة على الأمر، أن الإقالة نابعة من رغبة غوفمان في إحكام السيطرة على الجهاز، والتظاهر بأنه قائد حازم يعاقب من يخدع الحكومة وحلفاءها في واشنطن. وبحسب المتخصص في الشؤون الأمنية والاستراتيجية في صحيفة «يديعوت أحرونوت» رونين بيرغمان، يبدو أن غوفمان اتخذ القرار بإثارة هذه الزوبعة ضمن صفقة أبرمها مع نتنياهو قبل تعيينه، ومفادها أن رئيس «الموساد» يتجند لتبرئة ساحة نتنياهو من الإخفاقات الأمنية والسياسية، مقابل تعيينه رئيساً للجهاز.
الرئيس الإيراني السابق أحمدي نجاد الذي ورد اسمه في خطة «الموساد» لإسقاط النظام الإيراني (أرشيفية)
ويدور في أوساط «الموساد» أن الحقيقة هي أن المسؤولين لم يتعرضا للإقالة بل بالعكس، فقد قررا ترك الجهاز؛ لأنهما يريان أنه يواجه عملية تجديد لا يحبذانها، لأنها تنطوي على نشر خوف في الجهاز. وقد تم رحيلهما بالتراضي، وكلاهما يحظى بتقدير كبير، وقد أسهما إسهاماً كبيراً في حفظ أمن البلاد، لكن مكتب نتنياهو تعمد تشويه هذا الواقع وإظهارها إقالة لأجل استرداد دعم ترمب له في المعركة الانتخابية.
المعروف أن إسرائيل والولايات المتحدة قامتا بوضع خطة عمل تفصيلية لتنفيذ خطة تغيير النظام في إيران. وفي نهاية فبراير (شباط) انطلقتا لتنفيذها، ولكن بشرط أن يتولى جهاز الأمن الإسرائيلي عمليات الاغتيال، كما تولى الإسرائيليون مهمة القصف الجوي. وفي مايو (أيار)، أفادت صحيفة «نيويورك تايمز»، بأن الولايات المتحدة وإسرائيل دخلتا الحرب في إيران بمرشح محدد لرئاسة الحكومة في طهران، هو الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد. وذكر مسؤولون أميركيون ومصدر مقرب من الرئيس الأسبق، كيف انحرفت العملية عن مسارها سريعاً في اليوم الأول للحرب. ووفقاً للتقرير، فإن سلاح الجو الإسرائيلي شنّ هجوماً على منزل أحمدي نجاد في طهران «لتحريره من الإقامة الجبرية»، في هجوم أسفر عن إصابته. وذكر التقرير أن هجوم سلاح الجو كان يهدف إلى قتل الحراس الذين كانوا يحتجزون أحمدي نجاد. وقد نجا من الهجوم، لكنه بدأ بعد الحادثة يُبدي شكوكاً بشأن خطة الإطاحة بالنظام، فقرر الإسرائيليون فضح تعاونه.
ويقول بيرغمان: «لقد أدرك نتنياهو بلا شك حجم المخاطر، وقرر خوضها. لكنه أخطأ، وبالتعاون مع ترمب، قاد البلدين، والعالم أجمع، في رحلة هزت الشرق الأوسط والأسواق منذ ذلك الحين. تقع مسؤولية الفشل، سواء كان سببه انهيار الخطة أو غياب التنسيق مع ترمب، الذي أوقف الغزو الكردي – وهو عنصر حاسم – والخطة بأكملها، عليه بالدرجة الأولى».




