
بدأت اللجنة المشتركة من لجنة الشئون المالية والاقتصادية ومكتبي لجنتي الدفاع والأمن القومي، والتعليم والبحث العلمي والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات بمجلس الشيوخ، برئاسة النائب أحمد أبو هشيمة، رئيس لجنة الشئون المالية والاقتصادية والاستثمار، مناقشة الدراسة المقدمة منه تحت عنوان «الذكاء الاصطناعي كأداة استراتيجية في إدارة الاقتصاد والمالية العامة في مصر»، بحضور ممثلي وزارات المالية والاتصالات وتكنولوجيا المعلومات والصناعة والتخطيط والتنمية الاقتصادية، والهيئة العامة للرقابة المالية، والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، والبنك المركزي المصري.
واستهل أبو هشيمة عرضه بالتأكيد على أهمية التمييز بين الرقمنة والأتمتة والأتمتة المتقدمة والأتمتة التحليلية والذكاء الاصطناعي المؤسسي، باعتبارها مراحل مختلفة في توظيف التكنولوجيا داخل المؤسسات.
وأوضح أن الهدف من الدراسة هو مساعدة متخذ القرار على الوصول إلى قرارات أكثر دقة وسرعة، من خلال تحليل البيانات والتنبؤ بالاتجاهات، مع التأكيد على أن الذكاء الاصطناعي أداة مساندة للقرار وليس بديلًا عن الإنسان، الذي تظل لديه المسؤولية النهائية.
وتتناول الدراسة مفهوم الذكاء الاصطناعي وتطوره، والتحول الذي أحدثه في إدارة الاقتصاد عالميًا، مع التركيز على أهمية التنبؤ الآلي والتحليلات الاستشرافية في التعامل مع الأزمات والصدمات الاقتصادية المتلاحقة.
وأكد أبو هشيمة أن الإدارة الاقتصادية لا ينبغي أن تظل قائمة على رد الفعل وانتظار وقوع الأزمة، بل يجب أن تمتلك الدولة أدوات لرصد المخاطر والتنبؤ بها واختبار السيناريوهات المختلفة قبل اتخاذ القرار.
واستعرضت الدراسة تجارب الولايات المتحدة، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وسنغافورة، وإستونيا، وكوريا الجنوبية، والإمارات، والسعودية، وقطر، مع التأكيد على أن الهدف ليس نقل تجارب هذه الدول كما هي، وإنما الاستفادة من ممارساتها وتكييفها مع طبيعة الاقتصاد المصري.
كما تناولت نموذج الاتحاد الأوروبي في تصنيف تطبيقات الذكاء الاصطناعي وفق مستويات المخاطر، وإخضاع التطبيقات الأعلى خطورة لضوابط أكثر صرامة تتعلق بالشفافية والرقابة البشرية والمساءلة.
وفيما يتعلق بالواقع المصري، أشار أبو هشيمة إلى أن الدولة تمتلك بنية تحتية رقمية وأنظمة وقواعد بيانات وتشريعات تنظم التعامل مع المعلومات وسريتها، إلى جانب كوادر متميزة في مجال الذكاء الاصطناعي، لكنها تحتاج إلى مزيد من التدريب العملي والتأهيل.
ولفت إلى أن التحدي الأساسي يتمثل في عمل المؤسسات بصورة منفصلة، بما يشبه «الجزر المنعزلة»، وهو ما يؤدي إلى تشتت البيانات وضعف التكامل بين الجهات الحكومية، فضلًا عن الحاجة إلى إطار تشريعي ومؤسسي موحد ينظم الاستفادة من هذه الإمكانات.
تصفح أيضًا: القانون يلزم الجهات المختصة بتيسير مشاركة ذوى الهمم بالأنشطة الثقافية والرياضية
وحذر من أن تكلفة تأخر تبني أدوات التنبؤ والتحليل قد تفوق تكلفة تنفيذ المنظومة نفسها، مشيرًا إلى أن الدراسة تستهدف الحد من هدر الموارد العامة، وتحسين كفاءة التحصيل الضريبي وزيادة الإيرادات عبر رفع معدلات الامتثال واكتشاف حالات عدم الالتزام، دون الحاجة إلى تشريعات ضريبية جديدة لتحقيق ذلك.
وتستعرض الدراسة تطبيقات دولية يمكن الاستفادة منها، من بينها استخدام مصلحة الضرائب الأمريكية نماذج تحليل البيانات والتعلم الآلي لتحديد الإقرارات التي تستدعي مراجعة إضافية، وتوجيه جهود الفحص إلى الحالات الأعلى خطورة، إلى جانب أداة «BEACON» التي طورها مكتب الإحصاء الأمريكي لتصنيف المنشآت الاقتصادية باستخدام تحليل النصوص والتعلم الآلي.
وتطرح الدراسة مجالات متعددة لتطبيق الذكاء الاصطناعي في مصر، تشمل تحسين كفاءة الإنفاق العام والمفاضلة بين المشروعات وفق العائد الاقتصادي المتوقع، وتحديد أولويات الاستثمار، وتحليل مخاطر الدين العام وأسعار الصرف وتكلفة خدمته، فضلًا عن التنبؤ بالتضخم والمخاطر المالية، وتعزيز الشمول المالي ودمج الاقتصاد غير الرسمي، وتحسين بيئة الاستثمار ودعم الصادرات والقدرة التنافسية.
كما تتناول توظيف هذه التقنيات في تحليل سلاسل القيمة والإنتاجية القطاعية، ودعم الاقتصاد الأخضر، وتقييم الآثار الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للسياسات والتشريعات قبل تطبيقها وبعده.
وفي إطار التصور المقترح لبناء نموذج مصري لحوكمة الاقتصاد الذكية، تتضمن الدراسة إنشاء مجلس التوجيه الاقتصادي باعتباره المستوى الاستراتيجي المسؤول عن تحديد الأولويات والتنسيق بين الوزارات والجهات المعنية، إلى جانب مكتب البرنامج الوطني للتحليلات الاقتصادية ليكون الذراع الفنية والتنفيذية المسؤولة عن تشغيل المنصات التحليلية وإدارة النماذج وإعداد التقارير والدراسات.
ويستهدف المقترح إنهاء تشتت البيانات والجهود بين المؤسسات، وتحديد المسؤوليات بوضوح، مع الحفاظ على اختصاصات الجهات القائمة وعدم إنشاء منظومة موازية للمجلس الوطني للذكاء الاصطناعي.
وتؤكد الدراسة ضرورة إخضاع مخرجات النماذج للمراجعة البشرية والرقابة المؤسسية، والتحقق من دقتها ومتابعة أدائها بصورة مستمرة، إلى جانب وضع إطار تشريعي ينظم عمل الكيانات المقترحة وتبادل البيانات وحماية المعلومات. كما تفضل الدراسة استضافة الأنظمة الأساسية والبيانات الحساسة داخل مراكز بيانات حكومية، مع إمكانية استخدام نموذج هجين للأعمال الأقل حساسية وفق ضوابط محددة.
وتقترح الدراسة مرحلة تحضيرية تسبق نفاذ قانون إنشاء المنظومة، يعقبها مرحلتان أساسيتان تستغرق كل منهما 12 شهرًا، وتركز المرحلة الأولى على تشكيل مجلس التوجيه الاقتصادي والمكتب الفني، وإصدار اللوائح التنفيذية، وتجهيز منظومة تبادل البيانات ومستودع البيانات،وإطلاق تطبيقات ذات أولوية، من بينها التنبؤ بالإيرادات الضريبية والتضخم.
أما المرحلة الثانية فتستهدف التوسع في تطبيقات الاستقرار النقدي والمالي، والاستثمار والتنافسية، والشمول المالي، والإنذار المبكر وإدارة المخاطر، والتحليل الاقتصادي المكاني وسلاسل القيمة، وتقييم أثر السياسات.
وتؤكد الدراسة في نتائجها أن توظيف الذكاء الاصطناعي في إدارة الاقتصاد والمالية العامة يمثل تحولًا في طريقة إدارة الموارد وصناعة السياسات، من التعامل مع الأزمات بعد وقوعها إلى التنبؤ بها والاستعداد لها، بما يدعم استقرار الاقتصاد المصري ويرفع كفاءة استخدام موارده.





