ليست كل معركة تُخاض بالسلاح، فهناك معارك تستهدف العقول، وتحاول التسلل إلى أفكار الشباب ومشاعرهم، مستغلة غضبهم أو إحباطهم أو بحثهم عن إجابات لأسئلتهم، وفي عصر السوشيال ميديا، لم يعد استهداف الوعي يحتاج إلى منبر تقليدي أو خطاب مباشر؛ فقد تبدأ الحكاية بمنشور، أو مقطع فيديو، أو رسالة تبدو في ظاهرها تعبيرًا عن الغضب، أو حتى جلسة على أحدى المقاهى، بينما تحمل في مضمونها أفكارًا تستحق الفحص والمراجعة، وفي قلب هذه القضية يأتي التساؤل عن أساليب الخطاب الذي تتبناه جماعة الإخوان الإرهابية، وكيف يمكن توظيف المنصات الرقمية لمحاولة استقطاب الشباب والتأثير في نظرتهم إلى مجتمعهم ووطنهم ، فبدلًا من تقديم معرفة متكاملة تساعد الشاب على فهم الواقع بتعقيداته، قد تسعى بعض الرسائل السياسية إلى اختزال الصورة في رواية واحدة، وتغذية الشعور بالرفض، وتحويل الاختلاف مع موقف أو سياسة إلى موقف شامل من الوطن نفسه.
أخطر ما يمكن أن يتعرض له الشاب ليس أن يختلف مع فكرة أو ينتقد قرارًا، فالاختلاف حق، والنقد الواعي ضرورة لأي مجتمع، وإنما أن يقع تحت تأثير خطاب يدفعه إلى التخلي عن التفكير المستقل، ويطالبه بتبني أحكام جاهزة، ويصور له أن الحقيقة لا توجد إلا لدى جهة واحدة، وهنا يجب التمييز بين النقد المشروع للأوضاع العامة وبين محاولات الاستقطاب السياسي التي قد تستغل المشكلات الحقيقية لتوجيه الغضب نحو أهداف محددة، فليس كل شاب غاضب مستقطبًا، وليس كل معارض متأثرًا بخطاب جماعة بعينها؛ لكن من حق المجتمع أن يفحص الرسائل التي تحاول استغلال الأزمات، وأن يسأل عن أهدافها ومصادرها والأفكار التي تسعى إلى ترسيخها.
تصفح أيضًا: جوجل تطلق Googlebook.. حواسيب محمولة بذكاء Gemini وأسعار تبدأ من 900 دولارٍ
تعرف الخطابات السياسية المؤثرة أن المشاعر قد تسبق أحيانًا التفكير المتأني، وأن الإنسان حين يشعر بالظلم أو الإحباط يصبح أكثر احتياجًا إلى تفسير لما يراه حوله، لكن الخطورة تبدأ عندما يُستغل هذا الاحتياج لتقديم إجابات مبسطة، أو لإقناع الشباب بأن مشكلات المجتمع لا يمكن فهمها إلا من خلال رواية واحدة، أو أن رفض كل ما هو قائم هو الطريق الوحيد للتعبير عن الغضب، وفي مواجهة أي خطاب من هذا النوع، يصبح السؤال ضروريًا: هل تساعد الرسالة الشاب على فهم المشكلة والبحث عن حلول، أم تدفعه إلى مزيد من الغضب دون معرفة كاملة؟ هل تقدم وقائع يمكن التحقق منها، أم تكتفي بإثارة الانفعالات وتوجيه الاتهامات، إن حب الوطن لا يعني الصمت عن الأخطاء، كما أن انتقاد السياسات لا يعني كراهية الوطن. وهذه المساحة الفاصلة يجب ألا تُترك لمن يحاول استغلال مشاعر الشباب أو دفعهم إلى مواقف لم يختاروها بعد تفكير مستقل.
لا يمكن مواجهة محاولات استقطاب الشباب بمجرد مهاجمة أصحاب الخطاب المختلف، ولا بتخوين كل من يطرح سؤالًا أو يعبر عن اعتراض، المواجهة الحقيقية تبدأ بمنح الشباب المعرفة، وتعليمهم التحقق من المعلومات، وتشجيعهم على مقارنة الروايات، وعدم التسليم بأي محتوى لمجرد أنه يوافق مشاعرهم أو يكرر ما يرغبون في سماعه، كما أن تقديم خطاب وطني مقنع يتطلب الاستماع إلى أسئلة الشباب ومشكلاتهم، والرد عليها بوضوح، وعدم الاكتفاء بالشعارات، فالعقل الذي يجد معلومات موثوقة ومساحة للنقاش يصبح أكثر قدرة على اكتشاف التناقضات، وأقل عرضة للانقياد وراء الرسائل التي تستثمر في الغضب أو الخوف، إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول الخلاف السياسي إلى قطيعة مع الوطن، وأن يصبح الغضب من مشكلة معينة بابًا لتبني أحكام شاملة لا تستند إلى معرفة كاملة، ولهذا، فإن حماية الشباب لا تعني مصادرة عقولهم أو فرض رأي عليهم، بل تمكينهم من التفكير بحرية، ومواجهة الادعاءات بالأدلة، وكشف أي محاولة لاستغلال مشاعرهم لتحقيق أهداف سياسية، فالأوطان لا يحميها الصمت عن المشكلات، ولا يحمي العقولَ ترديدُ الشعارات، وإنما يحميهما الوعي القادر على التمييز بين النقد والبناء من جهة، والاستغلال والتلاعب من جهة أخرى. والشباب الذين يمتلكون أدوات التفكير والتحقق هم الأقدر على رفض أي محاولة لاحتكار عقولهم أو تحويل اختلافهم مع الواقع إلى عداء شامل لوطنهم.




