الرئيسيةالرياضةفقد ذراعه ورفض التقاعد.. حكاية بطل الزمالك في حرب أكتوبر 73

فقد ذراعه ورفض التقاعد.. حكاية بطل الزمالك في حرب أكتوبر 73

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

لم يكن صبري سراج يتخيل أن حياته ستضعه يومًا أمام اختبار يتجاوز كل ما عرفه عن المنافسة والانتصار.

الرجل الذي ارتبط اسمه بنادي الزمالك لاعبًا لكرة اليد، لم تكن بطولته الحقيقية محصورة في الملاعب، بل كُتب له أن يعيش تجربة مختلفة تمامًا، حين جمع بين انتمائه الرياضي وخدمته في القوات المسلحة، قبل أن يفقد ذراعه إثر إصابة خلال تدريبات عسكرية، ويواجه بعدها قرارًا كان يمكن أن ينهي رحلته مع الجيش، لكنه اختار طريقًا آخر.

لم تكن الإصابة نهاية الحكاية بالنسبة إلى سراج، بل بداية فصل جديد من حياته، عنوانه الإصرار على مواصلة الخدمة، والوقوف إلى جوار رفاق السلاح في واحدة من أهم المحطات الفاصلة في التاريخ المصري الحديث: حرب أكتوبر 1973.

قبل أن يصبح اسمه مرتبطًا بحكايات الحرب، كان صبري سراج أحد الوجوه الرياضية التي ارتبطت بنادي الزمالك، إذ مارس كرة اليد، بالتوازي مع مسيرته العسكرية التي بدأت بعد تخرجه في الكلية الحربية ضمن دفعة عام 1959، التي حملت اسم الشهيد عبد المنعم رياض.

كان سراج ينتمي إلى جيل لم تكن فيه الرياضة والخدمة العسكرية عالمين منفصلين بالضرورة؛ فإلى جانب التدريبات والمنافسات، كانت هناك مسؤوليات عسكرية تتطلب الانضباط والاستعداد وتحمل المشاق.

لكن الحياة كانت تجهز له اختبارًا مختلفًا، لم يكن له علاقة بنتيجة مباراة أو خسارة بطولة، وإنما بقدرته على مواصلة الطريق بعدما يتغير جسده وحياته إلى الأبد.

في السادس من أكتوبر عام 1973، بدأت مصر وسوريا حربًا ضد إسرائيل، في محاولة لاستعادة الأراضي العربية التي احتلتها إسرائيل خلال حرب يونيو 1967، وفي مقدمتها شبه جزيرة سيناء المصرية.

مع عبور القوات المصرية قناة السويس، انطلقت موجات الهجوم على خط بارليف، الذي أقامته إسرائيل على الضفة الشرقية للقناة، ونجح الجيش المصري في اختراق التحصينات وفتح الثغرات في الساتر الترابي، مستفيدًا من التخطيط العسكري والتنسيق بين الأسلحة المختلفة.

لم تكن الحرب مجرد مواجهة عسكرية، بل لحظة استثنائية شارك في صنعها آلاف الجنود والضباط، الذين تحملوا ظروفًا قاسية من أجل استعادة الأرض.

كان بين هؤلاء رجال ارتبطت حياتهم قبل الحرب بالرياضة، لكنهم وجدوا أنفسهم في قلب تجربة ستظل حاضرة في الذاكرة المصرية لأجيال.

كان صبري سراج واحدًا من هؤلاء الرجال، وإن كانت إصابته قد وقعت خلال الاستعدادات والتدريبات العسكرية التي سبقت اقتحام إحدى النقاط الحصينة على جبهة القناة.

بحسب شهادة صبري سراج المنشورة في صحيفة «المصري اليوم»، كان ضمن قوات المشاة، وشارك في تدريبات تحاكي اقتحام النقطة الحصينة في منطقة كبريت، على جبهة قناة السويس.

خلال تلك التدريبات، تعرض لإصابة بالغة انتهت ببتر ذراعه؛ كانت لحظة فاصلة في حياته؛ فالإصابة لم تكن مجرد ألم جسدي، بل تغييرًا جذريًا في تفاصيل يومه ومستقبله، بعدما أصبح عليه أن يتعامل مع واقع جديد لم يختره.

كان من الممكن أن تصبح الإصابة نهاية مسيرته العسكرية، وأن يغادر الخدمة بعد ما تعرض له، لكن سراج اتخذ قرارًا آخر؛ رفض الإحالة إلى المعاش، وانتقل إلى جهاز الرياضة العسكري، ليواصل أداء دوره داخل المؤسسة التي ينتمي إليها.

لم يكن هذا القرار تفصيلًا عابرًا في حكايته، بل كان تعبيرًا عن إصرار رجل لم يسمح للإصابة بأن تحدد وحدها ما يستطيع تقديمه لوطنه.

ارتبطت إصابة سراج بتدريبات اقتحام منطقة كبريت، وهي من المواقع التي شهدت مواجهات عسكرية مهمة خلال حرب أكتوبر.

قد يهمك أيضًا: مواجهات بنكهة البالون دور.. كيف يجدد دوري الأبطال الصراع بين مبابي ويامال وهالاند؟

تحمل منطقة كبريت مكانة خاصة في تاريخ الحرب؛ فقد تمركزت فيها قوات إسرائيلية، وشهدت حصارًا ومواجهات استمرت خلال الفترة التالية للعبور.

أصبحت صمود القوات المصرية في هذه المنطقة إحدى الحكايات التي ارتبطت بقدرة الجنود على تحمل ظروف القتال القاسية.

بالنسبة إلى سراج، لم تكن كبريت مجرد اسم لموقع عسكري، بل ارتبطت بتجربة شخصية مؤلمة، وبزملاء خاضوا التدريبات نفسها، ثم شاركوا في المعركة التي كان يستعد لها الجيش المصري.

في شهادته، تحدث عن شعوره بالفخر بعدما نجح رفاقه في اقتحام النقطة ورفع العلم المصري، معتبرًا أن ما قدمه لم يذهب هباءً، رغم الثمن الذي دفعه من جسده.

هنا تتجاوز الحكاية حدود الإصابة نفسها؛ فالبطولة لم تكن في تجنب الألم، وإنما في القدرة على مواصلة الحياة والخدمة بعده، وفي أن يرى الإنسان ثمرة ما شارك فيه حتى إن لم يستطع إكمال الطريق بالطريقة التي بدأها.

بعد انتقاله إلى جهاز الرياضة العسكري، لم تنقطع صلة سراج بأجواء الحرب.. فقد روى أنه حرص على زيارة زملائه المصابين في المستشفيات، لمساندتهم والوقوف إلى جوارهم في فترة كانت تحتاج إلى الدعم المعنوي بقدر ما تحتاج إلى العلاج.

كان يدرك، بحكم تجربته الشخصية، أن الإصابة لا تترك أثرها على الجسد وحده؛ فهي تضع صاحبها أمام أسئلة صعبة عن مستقبله وقدرته على العودة إلى حياته السابقة.

لذلك حملت زياراته لرفاقه معنى يتجاوز المجاملة، إذ كان واحدًا ممن عرفوا الألم نفسه، وإن اختلفت تفاصيل إصاباتهم.

كما كشف في شهادته عن استشهاد اثنين من زملائه المرتبطين بالزمالك، هما الرائد مبارك عبد المتجلي، من أبطال الصاعقة، والملازم أول سمير عبد الله، من سلاح المهندسين.

كانت تلك الخسائر وجهًا آخر للحرب؛ فخلف كل اسم شهيد عائلة تنتظر، ورفاق يفتقدون صاحبه، وحكاية تتوقف قبل أن تصل إلى نهايتها التي كان يتمناها أصحابها.

لم تكن قصة صبري سراج حكاية لاعب كرة يد فقد ذراعه فحسب، بل حكاية رجل جمع بين الرياضة والخدمة العسكرية، ثم واجه إصابة قاسية دون أن يتخلى عن انتمائه إلى المؤسسة التي خدم فيها.

بعد سنوات، واصل ارتباطه بالعمل الرياضي، وعُرف بدوره الإداري في نادي الزمالك، حتى تولى منصب نائب رئيس النادي.

هكذا امتدت رحلته من ممارسة كرة اليد إلى العمل داخل المؤسسة الرياضية بالزمالك، مرورًا بتجربة عسكرية تركت أثرها في حياته.

في كل مرة تُروى فيها حكايات الرياضيين الذين ارتبطوا بحرب أكتوبر، تظهر حقيقة تتجاوز الأرقام والنتائج والألقاب: أن قيمة الإنسان لا تُختصر فيما يحققه داخل الملعب، وأن بعض فصول البطولة تُكتب بعيدًا عن الجماهير وأضواء الملاعب.

لقد خسر صبري سراج ذراعه، لكنه لم يعتبر ذلك نهاية دوره؛ رفض التقاعد، وواصل الخدمة، واحتفظ بصلته برفاقه الذين عاشوا معه سنوات الاستعداد والحرب.

هكذا بقيت حكايته شاهدًا على جيل لم يفصل بين واجبه تجاه وطنه وانتمائه إلى الرياضة؛ جيل عرف أن البطولات لا تُرفع جميعها على منصات التتويج، وأن بعض الانتصارات يكتبها رجال اختاروا الاستمرار، حتى بعدما تغيرت حياتهم إلى الأبد.

spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
مقالات ذات صلة
spot_imgspot_imgspot_imgspot_img
- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

الأكثر شهرة

- Advertisment -spot_imgspot_imgspot_imgspot_img

احدث التعليقات