يعيد إطلاق نار، يُعتقَد أن مصدره الجيش الإسرائيلي، على موقع تابع لقوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (اليونيفيل)، قرب بلدة كفرشوبا الحدودية، طرح سؤال يتجاوز سلامة الجنود الدوليين إلى مستقبل الرقابة الدولية على جنوب لبنان، قبل نحو ثلاثة أشهر على انتهاء عمليات القوة، وسط مخاوف من أن تؤدي الضغوط السياسية والميدانية إلى تسريع انسحابها وترك فراغ في مناطق حدودية لا يزال الجيش اللبناني غير قادر على الوصول إلى بعضها، في ظل استمرار الاحتلال الإسرائيلي.
وأعلنت «اليونيفيل» الأربعاء، أن موقعاً تابعاً لها قرب كفرشوبا، على الخط الأزرق في القطاع الشرقي، تعرض لإطلاق نار من أسلحة خفيفة؛ ما دفع جميع حَفَظة السلام المتمركزين فيه إلى الاحتماء، من دون تسجيل إصابات. ولم تحدد القوة مصدر إطلاق النار أو توجه اتهاماً إلى أي جهة، وأعلنت فتح تحقيق لتحديد ملابسات الحادث.
يأتي ذلك فيما يقترب استحقاق 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد توقف عمليات «اليونيفيل» بموجب القرار «2790»، على أن تبدأ بعده عملية خفض وانسحاب منظمة خلال عام 2027.
جنود من «يونيفيل» يراقبون الحدود اللبنانية الإسرائيلية من فوق برج مراقبة في بلدة مروحين بجنوب لبنان يوم 12 أكتوبر 2023 (رويترز)
قالت النائبة نجاة عون صليبا لـ«الشرق الأوسط» إن «إطلاق النار الذي تعرَّضت له قوات «اليونيفيل» في منطقة كفرشوبا جنوب لبنان يثير مخاوف جدية من أن يكون جزءاً من الضغوط الهادفة إلى دفع القوة الدولية نحو تسريع انسحابها، بما يترك فراغاً أمنياً وميدانياً في المناطق الحدودية، ويتيح لإسرائيل توسيع سيطرتها على مناطق لا يستطيع الجيش اللبناني الوصول إليها، في ظل استمرار الاحتلال».
وشاركت صليبا في جولات على المسؤولين، ضمن وفد نيابي، لتقديم مذكرة ودراسة قانونية تطالب ببقاء «اليونيفيل»، لتجنب الفراغ الأمني في الجنوب، وشملت لقاء رئيس الجمهورية جوزيف عون، ووزير الخارجية يوسف رجّي، على أن تُستكمل بلقاءات مع ممثلي الأمم المتحدة في لبنان ورئيس الحكومة نواف سلام. وقالت صليبا إن الجولة «أظهرت أن هناك (فيتو) أميركياً على تجديد ولاية (اليونيفيل)، وأن الولايات المتحدة وإسرائيل تدفعان باتجاه عدم التمديد لها أو إعادة النظر في القرار المتعلِّق بانسحابها، رغم تأييد 14 عضواً في مجلس الأمن استمرار مهمتها، وإدراكهم خطورة إنهاء وجودها في هذه المرحلة».
وفيما يتعلق بالتحرك لإعادة النظر في القرار «2790»، أوضحت أن «الوفد يقدم إلى المسؤولين اللبنانيين قراءة قانونية أعدَّها عدد من المحامين، برئاسة النائب ملحم خلف، تُظهر الصعوبات الجوهرية التي تعترض تنفيذ القرار، خصوصاً ما يتعلق بتسليم المواقع التي تنسحب منها (اليونيفيل) إلى الجيش اللبناني، بهدف تعزيز سلطة الدولة اللبنانية على أراضيها».
وقالت: «المشكلة الأساسية أن (اليونيفيل) موجودة في مواقع حدودية، بعضها على الخط الأزرق، لا يستطيع الجيش اللبناني الوصول إليها، أو تسلّمها في ظل الوجود الإسرائيلي. وبالتالي، كيف يمكن تنفيذ انسحاب يُفترض أن يترافق مع انتقال المسؤولية الميدانية إلى الجيش اللبناني، فيما الظروف القائمة تحول دون ذلك؟«
قد يهمك أيضًا: اول تعليق من بلجيكا على تدخل ترامب لشطب بطاقة حمراء عن بالوغون
وحددت عون صليبا ثلاثة مخاطر أساسية، أولها غياب المراقبة الدولية عن الخط الأزرق، وثانيها الخطر الإنساني على نحو عشرة آلاف مواطن في رميش وعين إبل ودبل (صامدين في قرى مسيحية محاصَرة) يعتمدون على الممرات الآمنة التي تساعد «اليونيفيل» في تأمينها، وثالثها خسارة الدور الذي تؤديه القوة في احتواء الاحتكاكات الميدانية بين الجيشين اللبناني والإسرائيلي.
وقالت: «أين خطة الدولة اللبنانية لضمان استمرار التواصل مع هؤلاء المواطنين؟ ومَن سيتولى تأمين الممرات الإنسانية إذا غادرت (اليونيفيل)؟».
جندي في «اليونيفيل» على متن آلية عسكرية خلال دورية في جنوب لبنان (اليونيفيل)
وأشار النائب ملحم خلف إلى أنّ «إطلاق النار على موقع تابع لـ(اليونيفيل)، في محيط كفرشوبا، أمرٌ خطير ومرفوض رفضاً قاطعاً، ولا يجوز التعامل معه وكأنه حادث عابر أو تبريره تحت أي ذريعة». وقال: «(اليونيفيل) ليست طرفاً في أي نزاع، بل هي قوة أممية تعمل بموجب تفويض صادر عن مجلس الأمن، ووجودها في جنوب لبنان يشكّل جزءاً من منظومة الشرعية الدولية الهادفة إلى حفظ الأمن والاستقرار ومواكبة تنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة». وأضاف: «إن حياة أفراد (اليونيفيل) ليست مادة للرسائل السياسية أو العسكرية، ولا مواقع الأمم المتحدة ساحات للاشتباك».
ويكتسب إطلاق النار الذي تتعرض له قوات «اليونيفيل»، في جنوب لبنان، «خطورة إضافية في هذه المرحلة الحساسة، مع اقتراب انتهاء ولايتها بعد نحو ثلاثة أشهر»، حسبما قال العميد الركن المتقاعد الدكتور خليل الجميل لـ«الشرق الأوسط»؛ إذ «لم يعد الأمر يقتصر على حادث أمني بحد ذاته، بل يطرح تساؤلات عسكرية وميدانية حول مستقبل وجود القوة الدولية، ومَن سيتولى ملء الفراغ الأمني والميداني بعد انتهاء مهمتها».
ورأى الجميل أن «هذه الحوادث تشكل ضغطاً متزايداً على (اليونيفيل)، وقد تؤدي، إذا تكررت، إلى تغيير طبيعة عملها بصورة فعلية، بحيث تنتقل من تنفيذ مهمات المراقبة وتسيير الدوريات في إطار القرار (1701) إلى الانشغال بحماية عناصرها ومواقعها من الأخطار التي باتت تواجهها».
وأضاف: «بدلاً من أن تكون القوة الدولية معنية بمراقبة التطورات الميدانية وإدارة المخاطر المرتبطة بمهماتها، تصبح هي نفسها معرضة للخطر، وتتحول أولويتها إلى حماية عناصرها. وهذا تطوُّر بالغ الأهمية من الناحية العسكرية، لأنه يحد من قدرتها على الحركة والمراقبة وأداء دورها على الأرض».
ولفت إلى أن «خطورة هذه الرسالة لا تتعلق فقط بالأشهر المتبقية من ولاية (اليونيفيل)، بل تمتد إلى أي صيغة محتملة لاستمرار وجودها خلال عام 2027، حتى لو اقتصر هذا الوجود على مهمات مراقبة محدودة أو الإبقاء على بعض المراكز».
واعتبر الجميل أن «ما يجري يمكن قراءته عسكرياً بوصفه استهدافاً لدور الشاهد الدولي في جنوب لبنان، لأن الرسالة التي تصل إلى (اليونيفيل) أن مهمتها في المراقبة باتت موضع تهديد، وأن عليها إما الاكتفاء بالبقاء داخل مراكزها وحماية نفسها، وإما مواجهة الأخطار الناجمة عن استمرار نشاطها الميداني».




